تخطَّ إلى المحتوى

مليارات العتاد تسبق التبني في السعودية: طبقة التطبيقات تعيد توجيه رهانات الشركات الناشئة

شارك المقال
مليارات العتاد تسبق التبني في السعودية: طبقة التطبيقات تعيد توجيه رهانات الشركات الناشئة
الصورة: K T / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تكشف وتيرة الاستثمار التقني في العاصمة السعودية عن مفارقة بنيوية واضحة؛ فرغم تدفق مليارات الدولارات نحو مراكز البيانات والعتاد السحابي، لا يزال التبني الفعلي في قطاعات الأعمال يسير خلف البنية التحتية بخطوات ملحوظة. في مؤتمر «ليب» الأخير بالرياض، بلغت قيمة الإعلانات والاتفاقيات نحو 15 مليار دولار شملت تصنيع التكنولوجيا والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، غير أن أحدث نسخة من مؤشر المدن العالمي للذكاء الاصطناعي الصادر عن «كونتربوينت ريسيرش» لعام 2025 وضعت الرياض في المرتبة 36 عالميًا، متأخرة عن دبي التي حلت رابعة وأبوظبي التي جاءت في المرتبة الثامنة، رغم تصنيف العاصمة السعودية بين أسرع مدن العالم نموًا في هذا المجال.

هذا التفاوت لا يقلل من حجم الطموح، بل يحدد طبيعة المرحلة؛ إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي قد يرفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية بنسبة تتراوح بين 0.1 و0.4 نقطة مئوية سنويًا خلال العقد المقبل. وترتفع هذه المكاسب المحتملة لتصل إلى 0.6 نقطة مئوية، ما قد يضيف ما يصل إلى 6% للناتج المحلي على مدى عشر سنوات، شريطة تسارع الاستثمارات، وسد فجوات الجاهزية مع الاقتصادات المتقدمة، وتصدير خدمات الذكاء الاصطناعي. غير أن الصندوق ربط هذه العوائد الاقتصادية بشرط حاسم: أن تترجم استثمارات البنية التحتية إلى تحسن ملموس في إنتاجية المؤسسات.

ويرى مارك آينشتاين، مدير الأبحاث في «كونتربوينت»، أن السوق السعودية تتجه نحو تشكيل هيكل متعدد الطبقات؛ قاعدة صلبة ومحصورة في قلة من كبار مزودي العتاد والبنية التحتية، تعلوها طبقة واسعة ومجزأة من مطوري التطبيقات. وتتشكل ملامح القاعدة بالفعل؛ إذ تعتزم «أمازون ويب سيرفيسز» تشغيل وإدارة ما يصل إلى 150 ألف معالج رسومي من «إنفيديا» داخل منطقة مخصصة للذكاء الاصطناعي في الرياض، بينما دخلت منظومات معالجات «إيه إم دي» من طراز «Instinct MI355X» حيز الخدمة الفعلية في المملكة بجانب شبكات «سيسكو» لخدمة عملاء شركة «هيومان».

وعلى صعيد النماذج التأسيسية، تسود واقعية عملية تتجاوز النقاء الهندسي؛ فنموذج «humain-m3» التابع لشركة «هيومان» بُني استنادًا إلى نموذج «M3» الصادر عن مختبر «ميني ماكس» الصيني، ما يبرهن على أن الأولوية الاستراتيجية تركز على السيادة التشغيلية والتمكين اللغوي للضاد دون هدر الموارد في بناء كل طبقة برمجية من الصفر. هذا التركيز المؤسسي يفرض ضغوطًا قاسية على الشركات الناشئة التي تحاول بناء أدوات أفقية أو روبوتات محادثة عامة؛ فهذه الفرق تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع كيانات تحظى بدعم سيادي ووصول تفضيلي للحوسبة والتمويل والمواهب المتخصصة.

وتنعكس هذه التهدئة على مشهد رأس المال الجريء؛ فبحسب بيانات منصة «مغنيط»، تصدرت السعودية استثمارات المنطقة في عام 2025 بجمع 1.72 مليار دولار عبر 257 صفقة معلنة، لكن النصف الأول من عام 2026 شهد تراجعًا في حجم التمويل بنسبة 74% مقارنة بالفترة المقابلة، في حين انخفض عدد الصفقات بنسبة 41% فقط. هذا الانخفاض يعكس غياب الجولات التمويلية الضخمة التي لا تتكرر سنويًا، ويوجه رسالة صريحة للمؤسسين: المستثمرون يبحثون عن إيرادات تشغيلية واختبارات نجاح حقيقية، لا عن سرديات نظرية.

لكن ضخامة البنية التحتية تفتح نافذة للشركات الناشئة في طبقة الحلول الرأسية؛ فالشركات الصغيرة لم تعد مضطرة لتحمل تكلفة بناء مراكز بياناتها الخاصة، كما أن كل جهة حكومية أو مصرفية تشتري سعة حوسبة باتت بحاجة ملحة لتطبيقات تدمج تلك القدرات في أعمالها اليومية. وقد بدأت ملامح الدعم تتشكل عبر شراكة بين هيئة الحكومة الرقمية وشركة «إس تي في»، تمنح الشركات الناشئة فرصة الوصول إلى حالات الاستخدام الحكومية، وبيئات الابتكار التجريبية، وقنوات المشتريات والتمويل، بالتزامن مع إطلاق صندوق «هيومان فنتشرز» بقيمة 10 مليارات دولار.

بالنسبة للمؤسسين وفرق التطوير في الخليج ومصر والمنظومة الشامية، يرسم هذا المشهد خطوط العمل بوضوح؛ كلفة الاستدلال والوصول للعتاد المتقدم باتت مدعومة محليًا، مما يعني أن الميزة التنافسية انتقلت من امتلاك الرقائق إلى هندسة الحلول المتخصصة لقطاعات الطاقة، والرعاية الصحية، واللوجستيات، والتقنية المالية، والمشاريع الكبرى. وإذا كنت تقود فريقًا تقنيًا، فإن التحول المطلوب يتلخص في الابتعاد عن الواجهات السطحية والتركيز على وكلاء الأتمتة الموجهين لرفع الإنتاجية، وأدوات الحوكمة والامتثال الأمني؛ فالفرصة الحقيقية لم تعد في منافسة عمالقة العتاد، بل في سد فجوة التشغيل التي تقف بين المعالجات والواقع الميداني.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد