حكومة تستبق طلب المتعامل: كيف تعيد أبوظبي هندسة البيروقراطية قبل 2027؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
ماذا لو اتصلت بك دائرة حكومية لا لتحصيل غرامة، بل لتبلغك بأن الرادار أخطأ في تسجيل المخالفة وتعرض عليك إلغاءها فورا؟ هذه الواقعة لم تكن فرضية تسويقية، بل تجربة شخصية روتها الدكتورة ربا يوسف الحسن، مدير عام دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي، حين التقطت منصة «تم» خللا في أحد الرادارات بعد تسجيله عددا غير معتاد من المخالفات، فبادرت المنظومة بالاتصال بها لإسقاط الغرامة دون أن ترفع طلبا أو تملأ استمارة اعتراض.
التحول الذي تقوده العاصمة الإماراتية لا يقف عند حد أتمتة الإجراءات التقليدية، بل يستهدف إلغاء مفهوم «تقديم الطلب» الحكومي بالكامل. تستهدف أبوظبي التحول إلى أول حكومة أصلية بالكامل في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، عبر الانتقال من رقمنة المعاملات الورقية القديمة إلى نموذج استباقي يتوقع متطلبات السكان وينهيها قبل أن يبادروا بالسؤال عنها أو حتى يتنبهوا لاستحقاقها.
تضم منصة «تم» اليوم ما يزيد على 1170 خدمة للقطاعين الحكومي والخاص، مصممة حول تفاصيل الحياة اليومية لا حول الهياكل التنظيمية للدوائر. تتولى أداة «AutoGov» التابعة للمنصة إدارة تجديد تسجيل المركبات تلقائيا، بحفظ التفضيلات ومتطلبات التأمين وتحديد الخيارات الملائمة ثم إشعار المتعامل عند استحقاق السداد، بينما تبحث الجهات الحكومية حاليا توسيع المنهج ذاته ليشمل تجديد جوازات السفر دون حاجة لتذكر الموعد أو فتح معاملة رسمية.
الأتمتة الاستباقية تلغي عبء المتابعة الروتينية، لكنها تنقل ثقل الرقابة إلى هندسة الثقة وحوكمة التدخل البشري.
هذا التحول التقني لا يعني إلغاء الوجود البشري، بل إعادة توجيهه نحو المواقف الدقيقة. ففي اللحظات الإنسانية الحساسة، مثل حالات فقدان الأقارب، يظل الاتصال الأول مكالمة شخصية للمواساة، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي خلف الكواليس لتقييم نبرة موظفي مراكز الاتصال وانتقاء الكلمات ومدى التعاطف، وتنبيه المشرف مباشرة إذا طرأ توتر على المحادثة. كما أثبتت المنظومة صلابتها التشغيلية خلال فترات التوتر الإقليمي، حيث سجلت منصة «تم» صفرا في زمن التوقف على مدى 90 يوما متواصلة من الهجمات.
لمواكبة هذا التحول الجذري، أطلقت حكومة أبوظبي برنامج «AiNative» بالشراكة بين دائرة التمكين الحكومي و«أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، مستهدفة تدريب 20 ألف موظف حكومي قبل نهاية العام الجاري، تمهيدا لإطلاق برنامج تدريبي مجاني للجمهور يغطي الإدارة المالية الشخصية وتأسيس الأعمال والتوظيف.
إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي يتحول من مهارة تكميلية إلى رخصة قيادة مهنية إلزامية داخل الجهاز الحكومي.
يقوم الموظفون الحكوميون اليوم ببناء وكلاء الذكاء الاصطناعي واختبارهم بأنفسهم، مع تخصيص الأدوات لقطاعات المالية والاتصال والموارد البشرية. ومع إسناد المهام الروتينية إلى الوكلاء الأذكياء، ترتفع القيمة السوقية لمهارات التفكير النقدي وحسن التقدير الإنساني والبديهة، إذ لا يُقاس النجاح بحجم الخوارزميات المنشورة، بل بمدى الحفاظ على ثقة المجتمع ورضاه وجودة معيشته.
بالنسبة للمؤسسات والشركات في الخليج وعموم المنطقة، يعيد هذا التحول تعريف المعايير المتوقعة للخدمات الرقمية وتكلفة تشغيلها. الانتقال من بوابات الخدمة الذاتية إلى الوكلاء الاستباقيين يعني أن بناء التطبيقات التقليدية لم يعد كافيا للمنافسة، وأن نماذج الأعمال الإقليمية ستحتاج إلى إعادة هيكلة منظومات خدمة العملاء والموارد البشرية، لربط قواعد البيانات بوكلاء يتصرفون تلقائيا نيابة عن العميل بدلا من انتظار نقراته.