اختبار القيمة بعد إثبات المفهوم: ماذا تشترط استشارات قمة أبوظبي لنجاح الأتمتة؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
داخل قاعات مركز أدنيك في أبوظبي، وضعت كبرى بيوت الاستشارة العالمية حدًا لخطابات الإبهار التقني، لتواجه حقيقة تشغيلية تفرض نفسها على طاولات المفاوضات. في فعاليات قمة «إيه آي إيفريثينغ أبوظبي 2026»، التي استضافت أكثر من 180 متحدثًا غطوا مسارات الإستراتيجية والابتكار والاستثمار، تلاقت رؤى أقطاب الاستشارات الإدارية حول واقع حاسم: التكنولوجيا بمفردها لن تقود الأثر الاقتصادي المنشود.
حصر العائد في نطاق العمليات اليومية
توزعت كبرى شركات الاستراتيجية، ومنها «ديلويت» و«برايس ووترهاوس كوبرز» و«استراتيجي&» و«سيا» و«بوسطن كونسلتينج جروب»، بوصفها جهات راعية وشريكة للحدث، لتطرح معضلة التحول من برامج إثبات المفهوم إلى العائد التشغيلي الشامل. ففي جلسات «ديلويت»، التي شارك فيها كوستي بيريكوس، مسؤول الذكاء الاصطناعي التوليدي العالمي، والشركاء يوسف برقاوي وشارجيل أحمد، تركز النقاش حول مستقبل الحوكمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وصعود الأنظمة الوكيلة، وطبيعة العلاقة المتطورة بين القوى البشرية والأتمتة. وأوضح برقاوي، الذي يقود منصات النمو والذكاء الاصطناعي الإستراتيجي في الشرق الأوسط، أن المؤسسات التي ستكسب الرهان هي التي تمنح كوادرها اهتمامًا مساويًا، بما يضمن امتلاكهم المهارات والثقة للعمل بفاعلية جنبًا إلى جنب مع الآلات الذكية.
مغادرة مرحلة التجارب الاستعراضية
تتبّعنا في جلسات اليوم الثاني لقمة أبوظبي امتداد هذا الطرح لدى بقية بيوت الخبرة، حيث ناقش أخيل ديتاس، الشريك في «استراتيجي&»، بناء مؤسسات أصلية في الذكاء الاصطناعي تجمع بين الإستراتيجية وتحديث المهارات. وركز خالد البشراوي، رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في شركة «سيا»، على تحدي الانتقال الحرج من نماذج إثبات المفهوم الضيقة إلى بناء قيمة تشغيلية على مستوى الشركات في الخليج، بينما تناول أكرم عواد، قائد المدن الذكية في «بوسطن كونسلتينج جروب»، متطلبات إعادة ابتكار الشركات لتواكب هذا التسارع. المشهد المشترك يعكس قناعة متزايدة بأن الانتقال من مرحلة التجارب الأولية إلى القيمة المؤسسية الحقيقية لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل بات شرطًا لبقاء الأعمال في بيئة تتوجه نحو أتمتة المهام المعقدة.
إعادة توجيه الإنفاق نحو الجاهزية التنظيمية
بالنسبة لمن يقود التحول الرقمي أو يدير الأعمال في الخليج ومصر والمشرق العربي، يعيد هذا التحول ترتيب الأولويات التشغيلية والميزانيات بصورة جذرية. يتراجع الاهتمام بعدد تراخيص البرمجيات أو النماذج المعزولة، لصالح قياس قدرة الهيكل الإداري على استيعاب الوكلاء الأذكياء ضمن خطوط الإنتاج والخدمات الحكومية دون إحداث ارتباك تنظيمي. وهذا يعني أن الإنفاق الاستشاري والتقني سيتجه نحو إعادة هندسة مسارات العمل اليومية وتدريب الموظفين على قيادة الأنظمة المؤتمتة، تفاديًا لخسارة الاستثمارات في أدوات تفشل عند أول احتكاك عملي. خطوتك كمسؤول تنفيذي أو تقني هي التوقف عن تمويل المشاريع الاستعراضية التي تفتقر إلى مسار واضح للاندماج في صلب العمليات، ومطالبة المستشارين بخطط اعتماد واقعية للكوادر البشرية قبل توقيع عقود التوريد البرمجي.
تُظهر خلاصات قمة أبوظبي أن ميزان المنافسة لا يرتبط بوفرة الحوسبة أو سرعة استيراد النماذج وحدها، بل بمدى نجاح المؤسسة في ردم الفجوة بين الأتمتة الوكيلة وثقة الموظفين. المؤسسات التي ستقتنص القيمة الاقتصادية الحقيقية في المنطقة هي التي تبدأ بإعادة تصميم فرق عملها لتتكامل مع الذكاء الاصطناعي، قبل أن تكتشف أن برمجياتها المتقدمة تعمل في فراغ تنظيمي باهظ الكلفة.