تخطَّ إلى المحتوى

«تشبع الاستخدام ومأزق السياق»: ماذا تكشف تجربة أربعمائة إعلامي سعودي مع أدوات التوليد؟

شارك المقال
«تشبع الاستخدام ومأزق السياق»: ماذا تكشف تجربة أربعمائة إعلامي سعودي مع أدوات التوليد؟
الصورة: Brad Weaver / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تسقط فرضيات التردد المهني أمام رقم واحد في قطاع الإنتاج السمعي والبصري السعودي: 95.8 في المائة من الممارسين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى. تكشف دراسة مسحية شملت 400 متخصص ونُشرت في دورية Discover Artificial Intelligence، أن 17 مهنيًا فقط يقفون خارج هذه الموجة، مما ينقل السؤال في غرف الأخبار واستوديوهات المونتاج من فكرة تبني التقنية إلى عمق هذا الاستخدام ومستوى أمانه وعدالته التنظيمية.

أدار البحث الذي أُجري خلال عام 2025 فريق أكاديمي قاده سعد فرج العنزي وأحمد طوالبة من جامعة الخليج في البحرين، بمشاركة فرحات يلماز وباحثين من جامعة سانت بطرسبرغ. بنى الفريق إطاره التحليلي عبر دمج ثلاثة مسارات نظرية: نموذج قبول التقنية، ونظرية الفجوة الرقمية، والنظرية المؤسسية. وتخلص هذه المقاربة إلى أن الحواجز والممكنات تمثل وجهين لعملة واحدة؛ فالتكلفة تصبح عائقًا عند غلاء الاشتراكات، وتتحول إلى محفز عند توفر برمجيات في متناول فرق الإنتاج.

الخصوصية لا تُحل بشراء الاشتراكات؛ فبين الفئة المحدودة التي لم تعتمد الأدوات، تصدرت المخاوف الأمنية وحماية البيانات قائمة العوائق بواقع 12 مهنيًا من أصل 17، تلتها تكاليف الاشتراكات المرتفعة لدى 11 مستجيبًا. ويشرح الباحثون هذا التباين بأن العاملين في الإعلام المرئي والمسموع يتعاملون مع مواد شديدة الحساسية، تشمل لقطات خام لم تُبث بعد، ومواد تسويقية قبل النشر، وبيانات عملاء، وهويات مصادر صحفية. وتتطلب أدوات الذكاء الاصطناعي السحابية في الغالب خروج هذه المواد من نطاق السيطرة المؤسسية لمعالجتها، وهنا تتدخل محددات نظام حماية البيانات الشخصية السعودي لتجعل عواقب أي تقدير خاطئ واقعية ومباشرة تتجاوز المخاوف النظرية.

وعلى النقيض من الأدبيات الغربية التي تبرز قلق الصحفيين من فقدان وظائفهم، جاء الخوف من الإحلال الوظيفي في ذيل القائمة ولم يذكره سوى مشاركين اثنين من بين غير المستخدمين. ويعزو الباحثون ذلك إلى التوسع الذي يشهده قطاع الإعلام ضمن مستهدفات رؤية 2030، حيث ينظر المشاركون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة لرفع الكفاءة وتعزيز القدرة الابتكارية، لا بديلًا يهدد استقرارهم المهني. كما أظهرت العينة الكاملة أن برامج التدريب المتخصصة وورش العمل تصدرت العوامل الميسرة الأكثر طلبًا، يليها توفير أدوات سهلة الاستخدام بأسعار مناسبة، وبيانات تدريب ومصادر مفتوحة عالية الجودة.

تكشف التوزيعات الديموغرافية مفارقات لافتة داخل السوق المحلي، إذ تفاوتت الجاهزية للذكاء الاصطناعي وفق العمر والقطاع الوظيفي والمنطقة والدخل، بينما لم تُسجل أي فروق دالة إحصائيًا وفق النوع الاجتماعي أو المستوى التعليمي. وتصدر قطاع الإعلام الحكومي أعلى مستويات الجاهزية، مدفوعًا بتوجيهات التحول الرقمي وما يرافقه من توفير للأدوات والتدريب وساعات العمل المخصصة للتعلم والتجربة.

الخبرة الميدانية ترفع سقف النقد التقني؛ ففي المقارنة الجغرافية، سجلت المنطقة الوسطى التي تضم الرياض وأثقل بنية تحتية إعلامية في المملكة أدنى متوسط للجاهزية، في حين تصدرت المنطقة الجنوبية المؤشرات. يطرح الباحثون تفسيرًا تقنيًا واجتماعيًا لهذا التباين: ممارسو الوسطى يملكون الاحتكاك التراكمي الأكبر مع الأدوات في ظروف الإنتاج الفعلية، وبالتالي لمسوا مباشرة حدود تعثر النماذج، لا سيما في فهم السياق اللغوي العربي الذي جاء في المرتبة الثانية بين أبرز التحديات التقنية بعد نقص مجموعات البيانات الضخمة. وفي المقابل، تعكس جاهزية ممارسي الجنوب ضغط الطلب المتسارع لإنتاج محتوى ترويجي وسياحي يواكب المشاريع الكبرى في المنطقة، حيث تقدم الأتمتة حلًا سريعًا لتعويض فجوة السعة التشغيلية.

تمثل المعضلة اللغوية عقدة تقنية بنيوية تتجاوز قدرة الدورات التدريبية على المعالجة الفردية؛ فاللغة العربية تحمل ثراءً صرفيًا وتعددًا في المستويات بين الفصحى واللهجات المحلية، فضلًا عن غياب التشكيل في النصوص المكتوبة. وتتعامل النماذج المدربة على بيانات أجنبية بارتباك مع هذه الخصوصيات، مما يؤدي إلى أخطاء في التعرف على نبرة اللهجة وتفريغ النصوص بدقة وفك اللبس السياقي. ولهذا أوصى الباحثون بأن تمول الهيئات الوطنية للذكاء الاصطناعي تطوير نماذج وموارد لغوية مخصصة لصناعة الإعلام، وتوفير مدونات صوتية ومرئية عربية مرخصة وموثوقة.

بالنسبة للمدير التنفيذي أو صانع القرار الإعلامي في الخليج ومصر والمشرق، نرى في هيئة التحرير أن هذه النتائج تعيد ترتيب أولويات الإنفاق. فالسباق لم يعد متعلقًا بإدخال أدوات التوليد لأن معظم غرف الإنتاج باتت تعتمدها، بل بالانتقال من الاستخدام الفردي السطحي إلى بناء خطوط إنتاج متوافقة مع متطلبات حوكمة البيانات والامتثال المحلي. لاحظ هنا أن التحدي التشغيلي القادم لا يكمن في إتقان كتابة الأوامر، بل في صياغة ضوابط رقابية تمنع تسريب المواد الحساسة خارج بيئة العمل، وتفعيل تدقيق بشري صارم يلتقط عثرات النماذج في فهم السياق واللهجات قبل بث المحتوى إلى الجمهور.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد