تخطَّ إلى المحتوى

كاميرات الهواتف تسبق كشافي الملاعب: كيف تعيد الخوارزميات هندسة مواهب الرياضة السعودية؟

شارك المقال
كاميرات الهواتف تسبق كشافي الملاعب: كيف تعيد الخوارزميات هندسة مواهب الرياضة السعودية؟
الصورة: Maxim Hopman / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

طرحت شركة «هيوماين» السعودية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، خلال جلسات مؤتمر «أسبوع القادة» في ملعب ستامفورد بريدج بلندن، نموذجًا تقنيًا يستهدف إعادة تشكيل منظومة اكتشاف المواهب الرياضية وتطويرها. المفارقة التي استهل بها ريتشارد فيلتون توماس، مسؤول العمليات والعلوم الرياضية في الشركة، نقاشه تلخص جوهر الأزمة الكروية: قرن كامل من تاريخ كأس العالم لم يشهد تتويج سوى ثماني دول فقط، وظلت المنافسة محصورة بين منتخبات محدودة في أوروبا وأميركا الجنوبية، رغم زيادة عدد المنتخبات إلى 48 منتخبًا في نسخة 2026، وهو العدد المقرر ذاته في مونديال السعودية 2034. الفرضية التي تنطلق منها الشركة واضحة الدلالة، فالأزمة لا تكمن في ندرة الطاقات الرياضية، بل في محدودية أدوات الكشف التقليدية وعجز الكشافين الجغرافي عن الوصول إلى كل ملعب وحي في العالم.

تعتمد المبادرة بصورة أساسية على منصة «aiScout» المنبثقة من استحواذ «هيوماين» في فبراير 2025 على شركة «ai.io» البريطانية وإطلاق «هيوماين سبورت»، حيث توظف المنصة الرؤية الحاسوبية لتحليل حركة الرياضيين عبر مقاطع فيديو تسجل بهاتف محمول عادي دون حاجة إلى لواقط استشعار جسدية. يستطيع اللاعب الصغير تصوير تدريبات محددة، مثل الجري والقفز والتسديد والتمرير، بمساعدة أسرته أو أصدقائه، ليتولى النظام تحليل التسجيل وتقييم الأداء واستخراج بيانات توضع مباشرة أمام شركاء المنصة، ومنهم نادي تشيلسي الإنجليزي والاتحاد السعودي لكرة القدم. ولا يقف النظام عند الفحص الأولي، إذ يتكامل مع منتج «aiLab» لجمع قياسات الحركة وتتبع النوم واختبارات القوة البدنية، بهدف بناء سجل رقمي موحد يرافق مسيرة اللاعب من المراحل العمرية المبكرة حتى الاحتراف.

اختبرت هذه الحلول ميدانيًا في بيئات تواجه صعوبة في تغطية مواهبها؛ ففي السنغال، تعاونت الشركة مع اللجنة الأولمبية الدولية استعدادًا لدورة الألعاب الأولمبية للشباب 2026 في دكار، ووزعت أجهزة لوحية في المدارس كشفت عن مواهب في المصارعة والتسلق والفنون القتالية بين أطفال كانوا يمارسون الجري أو كرة القدم، مما قاد لاختيار 40 رياضيًا ضمن الفريق السنغالي. وتكررت التجربة في الهند بالشراكة مع مؤسسة «ريلاينس» لفرز مواهب القرى وتقديم منح تدريبية في مومباي. ورغم هذه النتائج، تؤكد الشركة أن خوارزميات الرؤية لا تلغي الحكم البشري للكشاف، وإنما تعيد توجيهه، فاختصار مرحلة الفرز الميداني يتيح توجيه المختصين مباشرة نحو العناصر الواعدة التي لم تكن لتسجلها السجلات الرسمية.

رأينا في تفاصيل هذا التحول أن الرهان الحقيقي لا يقف عند واجهة التطبيق، بل يلامس العمق المؤسسي مع استعداد السعودية لمونديال 2034 بعد خروج منتخبها من دور المجموعات في النسخ الثلاث الأخيرة. وهنا يوضح إيفان بيريك، المستشار السابق للاتحاد السعودي لكرة القدم، أن العقبة الأساسية لم تكن غياب المواهب، بل حرمان الفئات دون 18 عامًا من مسارات التأهيل المنظمة قبل الإصلاحات الأخيرة، مشيرًا إلى أن مبادرات مثل أكاديمية «مهد» ومنصة «قرينتافاي» في جدة تحتاج إلى بنية استيعاب تتجاوز مرحلة الرصد الأولي. بالنسبة للمسؤولين الرياضيين والمستثمرين في الخليج ومصر والشام، تعني هذه النقلة أن القيمة الاقتصادية الكبرى لا تنبع من تطبيقات الفحص المنفصلة، بل من بناء مستودعات بيانات موحدة تدمج المؤشرات البدنية للرياضيين وسلوك الجماهير.

توضح استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة، عبر ذراعه «سرج» وتصريحات مسؤولي قطاع الاستثمار الرياضي فراس شريّف والعنود الثنيان، أن المسار يتجه نحو حوكمة الأندية ومرافق التدريب وبرامج الفئات السنية لتحقيق عوائد مالية طويلة المدى. الكشف المبكر عبر كاميرات الهواتف يخفف تكلفة التنقيب الجغرافي الباهظة، لكنه يفرض على أندية المنطقة واتحاداتها تحديًا تشغيليًا مباشرًا: تأسيس أكاديميات قادرة على استيعاب ما ترصده الخوارزميات. فامتلاك ملفات رقمية لآلاف اللاعبين الواعدين يظل بلا مردود تنافسي إن لم ترافقه منظومة تدريب قادرة على تحويل الرصد الرقمي إلى أداء ميداني مؤثر في البطولات الكبرى.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد