بين فواتير الهواتف وسجلات الشراء الآجل: خوارزميات الائتمان تعيد تشكيل الإقراض في مصر والخليج
تتجه المؤسسات المالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي لحسم قرارات منح القروض للأفراد والشركات الصغيرة، مدفوعة بضغط الكلفة التشغيلية. فدراسة طلبات التمويل الصغير يدويًا تستنزف وقت الكوادر البشرية بما يلتهم معظم العائد الذي يجنيه المقرض، وفق ما توثقه تقديرات البنك الدولي. وتؤكد تقارير ماكنزي أن أتمتة هذه القرارات عبر البرمجيات تخفض الكلفة التشغيلية بصورة حادة، مما يمنح المصارف وشركات التمويل غير المصرفي حافزًا اقتصاديًا للتوسع في قطاعي التمويل الأصغر وقروض المشروعات الناشئة.
في بيئة مالية يفتقر فيها أكثر من نصف البالغين في مصر إلى حسابات مصرفية أو محافظ رقمية وفق بيانات البنك الدولي، تبدو معايير الجدارة الائتمانية التقليدية عاجزة عن تقييم ملايين المقترضين الجدد. وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي عبر تحليل البيانات البديلة غير المصرفية. ويوضح أحمد أباظة، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «سينابس أناليتكس»، أن النماذج تراجع بيانات الهواتف المحمولة وتفحص سلوك سداد فواتير الاتصالات والمرافق العامة لبناء تقييم ائتماني دقيق. وفي الإمارات، تمضي التجربة شوطًا أبعد، إذ بدأت مكاتب التصنيف الائتماني منذ يوليو بدمج سجلات سداد القروض متناهية الصغر من منصات الشراء الآن والدفع لاحقًا، مثل «تابي» و«تمارا»، في التقارير الائتمانية، مع التوجه إلى فحصها بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي.
لكن الأتمتة الائتمانية تحمل في طياتها معضلة خوارزمية صامتة، فالنماذج تتدرب على سجلات تاريخية مشبعة بالانحيازات القائمة في السوق. وإذا كانت النساء والشباب والعمالة غير الرسمية غائبين عن دفاتر المقترضين في العقود السابقة، فإن النماذج الخوارزمية تميل إلى استبعادهم آليًا من خطوط الائتمان الجديدة. ويشير حسام هيبة، العضو المنتدب لشركة «أوربيس كابيتال» والرئيس التنفيذي السابق للهيئة العامة للاستثمار في مصر، إلى أن دمج هذه الأدوات يجب أن يخدم رفع كفاءة العنصر البشري لا استبداله، مؤكدًا أن المخرجات الخوارزمية تتطلب مراجعة بشرية مستمرة لاحتمال وقوعها في أخطاء تقييمية مؤثرة.
يقف هذا الاندفاع نحو الأتمتة عند حدود التمويل التجاري والشركات الكبرى. يؤكد باسم فايق، المدير المفوض والشريك في «بوسطن كونسلتينج جروب»، أن البنوك تستعين بالفعل بالذكاء الاصطناعي لتقييم قدرة الشركات على تحمل الديون، إلا أن ترك القرار النهائي للآلة أمر بالغ الحرج أمام سمعة المؤسسات. المسؤولية الائتمانية لا تُفوَّض إلى خوارزمية حين تكون سمعة المصرف وأموال المودعين على المحك، كما لخص الموقف تود ويلكوكس، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة بنك «إتش إس بي سي مصر»، مؤكدًا أمام منتدى «إنتربرايز» أنه لا يمكن لأي قيادة مصرفية أن تبرر للمودعين والمساهمين تعثر مؤسستها بالاستناد إلى حكم صادر عن نموذج ذكاء اصطناعي.
تسعى الأجهزة التنظيمية في المنطقة إلى ملاحقة هذه التحولات بتشريعات تؤطر استخدام البيانات البديلة. ففي مصر، تلزم الهيئة العامة للرقابة المالية شركات التمويل الاستهلاكي، بدءًا من أبريل 2027، بالرجوع إلى مؤشر صادر عن شركة الاستعلام الائتماني الخاصة الوحيدة المرخصة في البلاد، يستند إلى التحليل السلوكي للبيانات غير التقليدية لتغذية خوارزميات المخاطر. وعلى مسار البنية التحتية، يستعد بنك «الإمارات دبي الوطني» ليصبح أول مصرف في المنطقة يشغل «تشات جي بي تي» على خوادم محلية داخل الإمارات، وهو المصرف الذي تصدر المرتبة الأولى بين 25 بنكًا إقليميًا في مؤشر «إيفيدنت» لتبني الذكاء الاصطناعي.
يفرض هذا التحول على مسؤولي المخاطر والائتمان في مصر والخليج إعادة ضبط استراتيجيات التمويل وحوكمة البيانات. يتجاوز التحدي التشغيلي مجرد استهلاك البيانات البديلة إلى بناء آليات تدقيق تفكك انحياز النماذج ضد الفئات غير المشمولة مصرفيًا قبل أن تتحول القرارات المؤتمتة إلى استبعاد منهجي يضر بالسوق. كما أن تشغيل النماذج داخل مراكز بيانات محلية، كما تفعل المصارف الخليجية الرائدة، يضع معيارًا إلزاميًا جديدًا لحماية سرية المودعين والتوافق مع متطلبات السيادة الرقمية.