اختراقات علمية تزعمها «أوبن إيه آي» في الرياضيات والفيزياء تثير معضلة تدقيق الأبحاث
تتجاوز خطوة مختبرات الحوسبة المتقدمة الأخيرة حدود توليد النصوص البرمجية واللغوية؛ إذ أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، التي تبلغ قيمتها السوقية 852 مليار دولار، أن أنظمتها حققت ثلاثة اكتشافات علمية جديدة في مجالات الرياضيات، وعلوم الحاسوب، والفيزياء، شملت التحليل التوافقي، ونظرية التعقيد الحسابي، ونظرية المجال الكمومي.
في مقدمة هذه النتائج، أعلنت الشركة أن نماذجها نجحت في إثبات حدسية التنعيم المحلي في كافة الأبعاد المكانية للمرة الأولى، وهي قضية مركزية في التحليل التوافقي الذي يدرس كيفية تفكيك الإشارات والدوال المعقدة إلى موجات أولية، بعدما كان الباحثون قد أثبتوها سابقًا في ثلاثة أبعاد فقط. وقد وصف أليكس يوسيفيتش، أستاذ الرياضيات في جامعة روتشستر والمتخصص في هذا المجال، الإنجاز بأنه تطور تاريخي نجح في حل الحدسية التي صاغها مشرفه لدرجة الدكتوراه كريس سوجي، معترفًا بأن الصدمة الأولى وشيئًا من الحزن خالطا مشاعره قبل أن يحل محلهما التفاؤل بالقفزات التي تنتظر المشروع العلمي، ومؤكدًا أن مسائل الرياضيات البحتة لم تنشأ من فراغ بل ارتبطت باعتبارات فيزيائية ملموسة يمكن استكشاف روابطها الآن بسرعة وحسم.
ولم تتوقف إعلانات «أوبن إيه آي» عند الهندسة الرياضية؛ إذ ذكرت الشركة أن نماذجها دحضت فرضية الوقت الأسي، المرتبطة بالزمن اللازم لحل المسائل الحسابية المعقدة، وقدمت إثباتًا رياضيًا صارمًا لوجود نظرية الديناميكا اللونية الكمومية التي تبحث في تفاعل الكواركات والغلونات. تمثل هذه الملفات الثلاثة أعقد المعضلات في الفيزياء النظرية وعلوم الحوسبة، غير أن الإعلان كشف في الوقت ذاته عن الآلية التي تعتمدها الشركة لتحويل ما وصفته ببيانات البحث الخام إلى فهم علمي، عبر الاستعانة بعلماء من خارج المؤسسة تولوا دور الرعاة والموجهين لتفسير النتائج.
هنا يبرز التوتر الفعلي في إدارة المعرفة: الشركة التي تقترب قيمتها من تريليون دولار تعترف علنًا بأن اختيار رعاة محددين لفحص النتائج يخلق عدم تماثل في المعلومات بين الباحثين. فبينما قررت مجموعتا الرياضيات وعلوم الحاسوب نشر البيانات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي للجمهور فورًا، اختارت مجموعة الفيزياء تأجيل النشر لكتابة تفسيرها الخاص لتلك المخرجات. ورصدنا في إدارة التحرير أن هذا التباين يعكس معضلة أوسع في سباق المختبرات الكبرى؛ ففي الشهر الماضي فقط، أعلنت منافستها «أنثروبيك» مطورة نموذج «كلود» عن اكتشاف إنزيم جديد يشبه نظام «كريسبر» لتعديل الجينات، وهو إعلان قوبل بردود فعل متباينة بين علماء رحبوا به وآخرين رأوا أن الشركة بالغت في تضخيم أهمية ما توصلت إليه.
وإذا نظرت إلى واقع الأوساط الأكاديمية والمؤسسات التقنية في الخليج ومصر وبلاد الشام، فإن هذا التطور يفرض استحقاقًا مباشرًا لا يرتبط بالاحتفاء بالنتائج، بل بإعادة ضبط بوصلة قرارك في الاستثمار بالمهارات ونماذج العمل. إن سعي النماذج لدحض فرضيات التعقيد الحسابي يمس مباشرة خوارزميات التشفير والتحسين التي تبنى عليها البنى التحتية للمصارف ومراكز البيانات الإقليمية، مما يعني أن الاعتماد على مخرجات مغلقة المصدر دون امتلاك قدرات التحقق الرياضي الصارم يمثل مخاطرة تشغيلية حقيقية. كما أن سياسة اختيار رعاة محددين للبيانات تضع الجامعات ومراكز الأبحاث في المنطقة أمام ضرورة بناء فرق متخصصة في التدقيق الصوري والبراهين الرياضية، بدل الاكتفاء باستهلاك واجهات البرمجة الجاهزة، لتفادي حصر حق الوصول العلمي والمعرفي في دوائر غربية ضيقة تفرض شروطها وتفسيراتها للبيانات.
يتحول الرهان العلمي لأنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم صوب مشروعية التفسير ومن يملك مفاتيح الوثوق بالبرهان الرياضي، بعيدًا عن مقاييس سرعة المعالجة وحدها. وعندما تطلب الشركات الكبرى تعليقات وملاحظات لتوسيع المشاركة العلمية، فإنها تؤكد ضمنيًا أن البيانات الخام التي تنتجها النماذج تظل مجرد فرضيات حتى تخضع لتمحيص الأقران المفتوح، بعيدًا عن الاستعجال الترويجي الذي يواكب السباق التجاري المحموم.