تخطَّ إلى المحتوى

حوكمة ما بعد سرعة النماذج: نقاشات الرياض تربط بين فخ الإدمان البرمجي والسيادة التقنية

شارك المقال
حوكمة ما بعد سرعة النماذج: نقاشات الرياض تربط بين فخ الإدمان البرمجي والسيادة التقنية
الصورة: Carlos Gil / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تشهد النقاشات التقنية في الرياض تحولاً لافتاً في تحديد أولويات الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على ما تستطيع الخوارزميات إنجازه من سرعة وكفاءة، بل انتقل إلى فحص كيفية بنائها واستخدامها، واضعاً السلامة النفسية والتنوع الثقافي والتفاعل البشري في قلب المساءلة الأخلاقية. وخلال أعمال مؤتمر «ليب» ومنتدى اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تلاقت رؤى قادة التقنية وخبراء السياسات والأخلاقيات لدراسة التحديات الملازمة للتطور المتسارع، وعلى رأسها مخاطر الاستخدام المطول والاعتماد العاطفي وغياب التمثيل العادل للغات والهويات غير الغربية.

في هذا السياق، قدم هاني شهابي، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لمنصة «ثورة دوت إيه آي» التي أسسها مع شقيقه سعيد شهابي، نموذجاً للمنصات الأصغر حجماً القائمة على التمايز عن الشركات الكبرى. وتركز المنصة على معايير الصحة النفسية والتنوع الثقافي، منطلقة من مبدأ أن التقنية يجب أن تخدم الإنسان لا العكس. وبدلاً من تدريب نماذج ضخمة من الصفر بتكاليف باهظة، تعتمد المنصة على النماذج مفتوحة المصدر القائمة مع تطبيق ما يشبه «الدستور» الداخلي لضبط استجاباتها بما يتماشى مع مبادئها. وأوضح شهابي أن التصميم يتعمد تحجيم التفاعل المفرط، بحيث يقدم النموذج القيمة المباشرة للمستخدم وينهي المحادثة دون محاولة إبقائه مقيداً بالشاشة أو مطارداً لزمن تفاعل أطول.

هذا الانشغال بمخاطر الارتباط السلوكي يجد دعماً مباشراً من الهيئات الدولية. فقد حذرت الدكتورة دافنا فاينهولتز، رئيسة قسم أخلاقيات البيولوجيا والعلوم والتقنية في منظمة اليونسكو، من البرمجة المصممة لجذب الانتباه واصطياد المستخدمين في دوامة تفاعل مستمرة، مؤكدة أن الاعتماد المطول على روبوتات الدردشة يعزل الأفراد عن أنماط التواصل الاجتماعي الطبيعية. وشددت فاينهولتز على خطورة استبدال الدعم العاطفي البشري بالأنظمة الذكية، مذكّرة بأن الصداقة والمشاعر الإنسانية تتجاوز مجرد تبادل نصوص آلية. وأكدت أن الأطر الأخلاقية لحماية حقوق الإنسان ومنع الضرر يجب أن تسري على الشركات الناشئة والكيانات الكبرى على حد سواء، مع ضرورة التركيز على آليات التطوير والاختبار وليس فقط وتيرة الإطلاق في السوق.

ولا ينفصل البعد النفسي عن قضية السيادة والتمثيل الثقافي. فبينما شددت فاينهولتز على ضرورة ألا تحتكر لغة واحدة أو ثقافة مفردة فضاء الذكاء الاصطناعي، أكد شهابي أن اتساع قاعدة المستخدمين العرب في المنصات المحلية يعكس حاجة واضحة لتقنيات متجذرة في المنطقة تقلل الاعتماد الدائم على البنية الغربية. وتكتسب هذه الرؤى وزناً مضاعفاً في ظل توجه المملكة العربية السعودية لتطوير منظومتها التقنية الخاصة، وتعزيز حضور اللغة العربية والهوية الثقافية في مبادرات وطنية ناشئة مثل مشروع «حُمين».

هذا التحول في الأولويات يفرض واقعاً عملياً على مديري التقنية ومطوري البرمجيات في الخليج والمنطقة عموماً. فبدلاً من استنساخ نماذج الاستهلاك الغربية القائمة على تعظيم وقت البقاء داخل التطبيق، باتت المنظومات الإقليمية تتجه نحو اعتماد نماذج مفتوحة المصدر تُحكمها ضوابط محلية صارمة تحد من التلاعب السلوكي وتخفض تكاليف التدريب. وإذا كنت تدير فريقاً تقنياً، فإن المعيار القادم لتقييم منتجاتك لن يقف عند حدود الأداء الرياضي للنموذج، بل سيمتد إلى مدى التزامك بحماية خصوصية المستخدم ومنع استنزافه نفسياً، والقدرة على بناء واجهات عربية أصيلة لا تكتفي بالترجمة السطحية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد