تخطَّ إلى المحتوى

عقود الحوسبة النووية تشعل معركة الكهرباء وتضع خطط الخليج أمام اختبار التسعير

شارك المقال
عقود الحوسبة النووية تشعل معركة الكهرباء وتضع خطط الخليج أمام اختبار التسعير
الصورة: Lukáš Lehotský / Unsplash

تسابقت كبرى شركات الحوسبة السحابية نحو شبكات الطاقة القديمة لتأمين تدفقات الكهرباء لمراكز بياناتها، بعدما أدركت أن عنق الزجاجة الحقيقي لتوسعات الذكاء الاصطناعي يكمن في خطوط التوليد. فخلال أسبوع واحد، وقع اثنان من أضخم ثلاثة عمالقة للحوسبة السحابية في العالم عقودا تمتد عشرين عاما لشراء الكهرباء النووية. استحوذت شركة أمازون على 690 ميغاوات من محطة كالفيرت كليفس التابعة لشركة كونستليشن في ولاية ماريلاند، بما في ذلك 190 ميغاوات من قدرات التوليد الإضافية المتوقعة بين عامي 2030 و2032. وفي الوقت نفسه، أبرمت غوغل اتفاقا يضيف 890 ميغاوات من السعة النووية داخل الولايات المتحدة، بينما تضخ كونستليشن أكثر من 4.3 مليار دولار لتحديث 11 مفاعلا عبر ولايات إلينوي وبنسلفانيا ونيوجيرسي.

تتبعنا في تفاصيل هذه الصفقات مفارقة كبرى، فهي لا تتضمن بناء مفاعل نووي واحد جديد، بل تقوم على شراء إنتاج مفاعلات قائمة بالفعل، يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل تأسيس شركات التكنولوجيا نفسها. تعيد هذه الخطوة رسم مشهد الطاقة بعد عقود من تراجع الثقة بالقطاع النووي إثر حوادث تاريخية في ثري مايل آيلاند وتشرنوبل وفوكوشيما، إذ تعاقدت مايكروسوفت على شراء إنتاج مفاعل سليم في محطة ثري مايل آيلاند لعشرين عاما، وقدمت وزارة الطاقة الأمريكية قروضا تصل إلى 4.4 مليار دولار لدعم إعادة تشغيل ثلاث محطات مغلقة بهدف استعادة نحو 2.25 غيغاوات، من بينها محطة باليسيدز في ميشيغان المقرر عودتها للعمل بحلول مارس 2027 لتصبح أول محطة نووية تجارية أمريكية تعود للخدمة بعد دخولها مرحلة التفكيك.

خلال العقد الماضي، ظن قطاع التكنولوجيا أن تحسين كفاءة الرقائق وتصغير النماذج وتطوير التبريد سيحتوي استهلاك الكهرباء، غير أن الواقع أثبت عكس ذلك. أعادت هذه الطفرة إحياء مفارقة جيفونز التي لاحظها الاقتصادي وليام جيفونز عام 1865، حين أدى رفع كفاءة المحركات البخارية إلى زيادة استهلاك الفحم بدلا من خفضه لأن انخفاض التكلفة خلق استخدامات جديدة لم تكن موجودة. واليوم، حتى عندما أثبت نموذج ديب سيك إمكانية تدريب نموذج منافس بكسر ضئيل من تكلفة الحوسبة المتوقعة، لم ينخفض إنفاق الصناعة، بل سارعت المختبرات إلى التخطيط لجولات تدريب أوسع، ونماذج تفكر لفترات أطول، ووكلاء يعملون في الخلفية دون انقطاع، ونظم لتوليد الفيديو. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي لمراكز البيانات على الكهرباء سيتضاعف ليتجاوز 945 تيريرات/ساعة بحلول عام 2030.

الحسابات المالية كشفت فجوة زمنية حرجة بين دورة حياة العتاد ودورة استثمار الطاقة. فالمفاعلات الكبيرة تتطلب عقدا أو أكثر للتحول من قرار إلى إنتاج فعلي، والمفاعلات النمطية الصغيرة التي تستثمر فيها شركات التقنية لن تبدأ بتسليم الكهرباء قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي ولم يُبن منها سوى القليل جدا عالميا. وحتى خيار التحديث وإعادة التشغيل السريع يعني الانتظار حتى عام 2027 أو 2028 أو 2029، في حين أن رقائق الذكاء الاصطناعي التي يجري تركيبها هذا العام قد تتجاوزها تقنيات أحدث بكثير قبل عقود طويلة من انتهاء عقود الكهرباء الممتدة لعشرين عاما، دون أن توضح الصناعة ما سيحدث لتلك الالتزامات التعاقدية إذا تراجع الطلب مستقبلا.

تجاوزت الأزمة جدران مراكز البيانات لتصطدم مباشرة بفواتير المستهلكين العاديين، وتحديدا في نطاق مشغل الشبكة بي جيه إم الذي يخدم نحو 67 مليون نسمة في 13 ولاية أمريكية والعاصمة واشنطن. أدت مزادات سعة الكهرباء إلى بلوغ السقف السعري التنظيمي في ثلاث جولات متتالية، حيث ساهم طلب مراكز البيانات بنحو 29.4 مليار دولار من تكاليف السعة عبر المزادات الأربعة الأخيرة، من بينها 6.3 مليار دولار في المزاد الأخير وحده لمنشآت لم يُبن معظمها بعد. وتشير تقديرات مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية إلى أن الأسرة العادية في تلك المناطق قد تواجه زيادة شهرية تصل إلى 70 دولارا في فاتورة الكهرباء بحلول عام 2028، مما أشعل معارضة سياسية دفعت فرجينيا لإنشاء فئة تسعير مستقلة لمراكز البيانات، وفرض أوهايو حدا أدنى للفوترة، في حين رفض المنظمون الفيدراليون في أكتوبر 2026 إلزام المراكز بتوليد طاقتها ذاتيا وتركوا مبادرات غوغل في هذا الإطار التزاما طوعيا هشا.

الدرس الأمريكي يحمل وزنا استراتيجيا مضاعفا لمن يخطط للبنية التحتية للحوسبة في المنطقة. تقود العواصم الإقليمية استثمارات غير مسبوقة لاستقطاب مراكز الحوسبة الفائقة، حيث التزم جهاز قطر للاستثمار بمشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار مع بروكفيلد يبدأ بمرحلة أولى تبلغ نحو 300 ميغاوات مع إمكانية التوسع إلى نحو 1.5 غيغاوات، وهو ما يعادل عند اكتماله نحو 12 بالمئة من القدرة الإنتاجية الإجمالية المثبتة للكهرباء في قطر. وفي الوقت نفسه، تستهدف أبوظبي خططا لبناء قدرات تصل إلى خمسة غيغاوات لمراكز البيانات، وتخطط السعودية لنحو غيغاواتين عبر مبادرة هيومين.

التحول العملي الذي تفرضه هذه الوقائع على صانع القرار في الخليج ومحيطه هو حسم تكلفة الفرصة البديلة قبل تثبيت الالتزامات الكبرى، فالطاقة المخصصة للحوسبة لا يمكن استخدامها في قطاعات صناعية أو مدنية أخرى في الوقت نفسه. تملك المنطقة اليوم فرصة لتسوية المسائل التي تعثرت فيها الأسواق الغربية: تحديد تعريفة الكهرباء الصناعية مقدما، وإلزام المطورين بتمويل قدرات التوليد الإضافية، وصياغة شروط تعامل العقود مع التقادم المتسارع للعتاد التقني مقابل العقود طويلة الأجل، لضمان عوائد اقتصادية تتجاوز بيع الطاقة وعدد محدود من الوظائف التشغيلية. التحدي الحقيقي ليس توفير الطاقة لمراكز الذكاء الاصطناعي، بل حماية الشبكات العامة وصياغة شروط التشغيل قبل أن تتحول الالتزامات إلى قيود يصعب تفكيكها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد