المركنتيلية المعرفية: كيف تعيد مخاوف الذكاء الاصطناعي إنتاج أوهام الندرة القديمة؟
تكشف قراءة معمقة لتاريخ التحولات الاقتصادية أن حالة الذعر المحيطة بصعود نماذج الذكاء الاصطناعي لا تمثل ظاهرة معزولة، بل تعيد استنساخ القلق الذي رافق بدايات الرأسمالية الحديثة. في قراءة استعادية لأطروحة المؤرخة جويس أبلبي في كتابها «الثورة التي لا تهدأ: تاريخ الرأسمالية»، يفكك الباحث فينكاتيش راو جذور هذا الخوف بوصفه نمطًا من «المركنتيلية المعرفية»، وهي عقيدة ترى الذكاء كمورد مغلق ونهائي يجب احتكاره وحراسته من العامة.
تأسست المركنتيلية التقليدية في القرنين السادس عشر والسابع عشر على أربع ركائز صلبة: افتراض أن الثروة مورد شحيح ومحدود ينحصر في الذهب والأرض، وقناعة النخب بأن عامة الناس لا يؤتمنون على الحرية ويجب توجيههم بالقسر، والتركيز المطلق على ضبط المعروض مع تجاهل قوى الطلب الشعبي، والاعتقاد بأن بقاء ثمانين بالمئة من البشر في أعمال الفلاحة الكفافية هو النظام الطبيعي الذي لا بديل عنه خشية تحولهم إلى أفواه عاطلة. تنتقل هذه المنظومة اليوم إلى الفضاء الرقمي، حيث يُعامل الذكاء ككتلة ثابتة مخزونة في عقول العباقرة وبراءات الاختراع، ويُنظر إلى تعميم أدواته كخطر يهدد بانفلات الفوضى المعرفية.
تفكيك أسطورة الأفواه العاطلة يمثل المفصل التاريخي الأكثر وضوحًا في هذه المقاربة؛ فالطفرة الزراعية التي مهدت للرأسمالية لم تدفع بالمزارعين إلى البطالة الأبدية حين انخفضت نسبتهم إلى أقلية ضئيلة، بل مكنت الغالبية من استهلاك الغذاء وتوجيه الطاقات نحو مسارات إنتاجية جديدة. وبالمثل، فإن أتمتة العمل الإدراكي لا تعني خلق مليارات العقول المعطلة، بل تفتح الباب لتحول الأفراد من منتجين يعانون كلفة التفكير المعقد إلى مستهلكين للذكاء، قادرين على توظيفه في مشاريع كانت محظورة عليهم بفعل التكلفة العالية للاستشارات والبرمجة.
تشير السجلات التاريخية البريطانية إلى أن ما سبق الثورة الصناعية قام على ثورة اجتهاد طوعية رفعت أيام العمل السنوية من نحو 250 إلى 300 يوم، مدفوعة برغبة الناس العاديين في اقتناء بضائع كانت حكرًا على النبلاء كالتبغ والشاي والأقمشة القطنية الملونة. ولد هذا الانفجار في رغبات الاستهلاك حلقة دافعة حفزت الإنتاجية ووسعت الاقتصاد. على المنوال ذاته، يمهد الذكاء الاصطناعي لثورة اجتهاد إدراكي جديدة؛ فحين تنخفض تكلفة الوصول إلى الفهم المنظم، يرتفع العائد الحقيقي على الانتباه البشري، مما يحفز الأفراد على بذل جهد ذهني طوعي لاستكشاف آفاق ومشاريع لم تكن مجدية في ظل شح الموارد المعرفية السابقة.
بالنسبة للمؤسسات والشركات في الخليج ومصر والمشرق العربي، ينقل هذا التحليل المعركة من دائرة استقطاب النخب إلى هندسة قنوات الطلب. طالما استنزفت الاستراتيجيات الإقليمية ميزانياتها في محاكاة الاحتكار المركنتيلي عبر تكديس الكفاءات النادرة أو استيراد المنظومات الاحتكارية المغلقة، بينما يكمن التحول الفعلي في تمكين الفرق التشغيلية والكوادر الوسيطة من استهلاك الذكاء بوفرة لمعالجة الاحتكاكات اليومية في قطاعات الخدمات واللوجستيات والتطوير المؤسسي. لم يعد الرهان الناجح قائمًا على حماية المكاتب من الأتمتة، بل على إعادة تصميم المهام بحيث يجد كل موظف حافزًا فوريًا لتوظيف تلك الوفرة المعرفية في توسيع نطاق ما يمكنه إنجازه بشكل مباشر.
إن الانتقال من منطق الحراسة إلى فضاء الوفرة يفرض التخلي عن الخوف من العقول الفائضة عن الحاجة، فالذكاء عندما يتحول من امتياز نخبوي إلى مورد استهلاكي ميسور، لا يلغي التفكير الإنساني، بل يرفع سقف الطموح الفكري ويطلق موجة واسعة من المبادرات الفردية والمؤسسية.