ديون الأصول تزاحم بيع الحصص: كيف تعيد تسهيلات الائتمان رسم ميزانيات الشركات الصاعدة بالمنطقة
تبدلت طبيعة الشيكات الكبرى المكتوبة للشركات الصاعدة سريعة النمو في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ لم تعد تستهدف شراء حصص ملكية بقدر ما باتت تستأجر ميزانيات عمومية. ورغم أن أغلب المؤسسين ما زالوا يرسمون مسارهم التمويلي كسلسلة متتابعة من جولات رأس المال الجريء التي تقتطع في كل مرحلة شريحة جديدة من جدول الملكية، فإن هذا النموذج الذهني بات يكبدهم تكلفة حقيقية باهظة. ولعل الشاهد الأبرز تمثل في مؤتمر «Money20/20» بالرياض في سبتمبر 2025، حيث لم يكن التمويل الأضخم المعلن جولة استثمار جريء، وإنما تمثل في تسهيل مدعوم بالأصول ومتوافق مع الشريعة بقيمة تصل إلى 2.4 مليار دولار لصالح منصة «تمارا»، قادته بنوك «غولدمان ساكس» و«سيتي» و«أبولو»، ليعيد تمويل حزمة سابقة بقيمة 500 مليون دولار ومضاعفتها أربع مرات خلال عام واحد تقريبًا، بعدما دشنت «تابي» هذه السابقة بتسنيد مستحقات بقيمة 700 مليون دولار مع «جي بي مورغان».
الأسهم هي رأس المال الأعلى كلفة على الإطلاق في عمر الشركة الناشئة، وتُسعّر دائمًا في لحظة أقصى درجات عدم اليقين بشأن مستقبلها. وتظهر حسابات تقليص الملكية هذه الكلفة بوضوح؛ فحين تجمع شركة 10 ملايين دولار بتقييم 40 مليون دولار بعد الاستثمار، تكون قد باعت ربع ملكيتها، وإذا تخارجت لاحقًا بقيمة 500 مليون دولار، تصبح كلفة تلك الجولة التمويلية 125 مليون دولار، وهو ثمن باهظ يدفعه المؤسس لتمويل رأس مال عامل كان بوسع جهة إقراض تقديمه مقابل المستحقات بهامش فائدة في منتصف خانة العشرات. لذلك يقتضي المنطق المالي حصر أموال الملكية حيث يسكن عدم اليقين الفعلي: في الرهانات على المنتجات الجديدة، والتوسع في أسواق غير مجربة، وبناء الفرق الناشئة، وتجنيبها تمامًا تمويل المخزون أو الفواتير والمستحقات الدورية المستقرة.
تعكس البيانات الإقليمية الحديثة هذا التحول وإن غاب عن الواجهة الترويجية المعتادة. فبيانات «ماجنيت» لعام 2025، التي سجلت 3.8 مليار دولار عبر 688 صفقة، اقتصرت على جولات الملكية وحدها؛ وبإضافة التمويل الائتماني والدين، تضاعف التدفق الرأسمالي الفعلي للمنطقة ليقارب 7.5 مليار دولار، وجاء تسهيل «تمارا» كأكبر مكون فردي فيه، ليتساوى رأس المال غير المقلص للملكية مع رأس المال المقلص لها تقريبًا دولارًا بدولار. وجاء النصف الأول من عام 2026 ليجعل هذا الدرس اضطرارًا تشغيليًا، بعدما تراجع تمويل الملكية بنسبة 22 بالمئة على أساس سنوي ليصل إلى 1.35 مليار دولار، وقلص المستثمرون الدوليون ضخ رؤوس أموالهم بنحو الثلثين، بينما قدّم المستثمرون المحليون 81 بالمئة من إجمالي رأس المال الجريء، وهي أعلى حصة محلية يسجلونها خلال خمس سنوات.
يتوقف اختيار أداة التمويل على طبيعة النشاط، فالجهات الائتمانية تموّل ما تستطيع رؤيته وقياسه وحجزه عند التعثر. الشركات التي تولد تدفقات مستحقات واسعة، كمنصات الشراء الآن والدفع لاحقًا وإقراض المشاريع الصغيرة وأسواق التجارة بين الشركات، تقف على أصول قابلة للتمويل المباشر؛ ولهذا أبرمت منصة «ليندو» السعودية مرابحة بقيمة 53 مليون دولار مع «جدوى» لتمويل المنشآت الصغيرة، وحصلت «كريدبل إكس» الإماراتية على تسهيل بقيمة 100 مليون دولار من «بولين ستريت كابيتال»، واعتمدت «فلوس» البحرينية للتمويل الاستهلاكي تسهيلًا بقيمة 22 مليون دولار بدعم من «شروق»، بالتوازي مع اتجاه بنوك وصناديق إقليمية لتغطية فجوة ائتمان الشركات الصغيرة والمتوسطة بالخليج والمقدرة بنحو 250 مليار دولار.
المستثمر الائتماني لا يموّل الرؤى النظرية؛ تركيزه ينصب على تدقيق البيانات التشغيلية وسجلات التحصيل. وهذا يعني عمليًا لفرق الإدارة المالية والمؤسسين في الخليج ومصر والشام ضرورة إعادة هيكلة وظائف الخزانة لتصبح مؤهلة للاقتراض؛ إذ يتطلب دخول هذا السوق سجل أداء نظيف لشرائح العملاء يمتد بين 12 و18 شهرًا، وقوائم مالية مدققة، ونظم تحصيل فعالة، وهوامش ربحية للوحدة تغطي كلفة التسهيل بأريحية. كما يتغير القرار التمويلي الجذري للمؤسس هنا: فالتسهيل الائتماني لا يُطلب كملاذ أخير لمد فترة البقاء عند تعثر جولات الأسهم، لأن شروط الإقراض وجداول الإطفاء لا تراعي خارطة تطوير المنتجات، والدين حين يُستخدم لتغطية الخسائر التشغيلية بدلًا من تمويل الأصول يسرّع الانهيار المالي ولا يؤجله.
الشركات الصاعدة التي سترسم ملامح العقد المقبل لن تكون بالضرورة الأكثر جمعًا للجولات، بل تلك التي يحتفظ مؤسسوها بحصة ملكية تجعل رحلتهم مجدية عند التخارج. وتمتلك المنطقة ميزة هيكلية فريدة تدعم هذا التوجه؛ فأعمق مستودعات السيولة الخليجية باتت تتركز في أدوات مالية متوافقة مع الشريعة مثل المرابحة وتسهيلات التسنيد المدعومة بالأصول، وهي صيغ تفتح أبواب رأس المال المؤسسي الذي لم يصله دين رأس المال الجريء التقليدي قط. ومع وصول سوق الائتمان الخاص في السعودية إلى 3.7 مليار دولار عام 2024 بعد تضاعفه عشر مرات، وتأسيس صناديق إقليمية مخصصة للإقراض بضمان أصول شركات التقنية المالية والمنشآت الصغيرة، تكمن المعضلة التشغيلية في ندرة الشركات المهيأة والمصممة لاستيعاب هذه الهياكل التمويلية المتدرجة.