أول مؤشر وطني وثلاث منصات حوكمة: السعودية تنقل البيانات المفتوحة إلى قلب الاقتصاد
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
يبدأ بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي من معالجة أثقل اختناقاته غير المرئية: كيفية تحويل السجلات الحكومية من جزر معزولة إلى أصول رقمية متدفقة وموثوقة تدعم اتخاذ القرار وتغذي الخوارزميات. في هذا السياق، أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بالتعاون مع برنامج التحول الوطني حزمة برامج نوعية هي الأولى من نوعها في المملكة، تضم تدشين أول مؤشر وطني للبيانات، ونسخة مطورة من منصة البيانات المفتوحة، ومنصة حوكمة البيانات. هذه الخطوة تمثل انتقالًا مدروسًا من منطق النشر المكتبي المحدود للمعلومات إلى فرض مسطرة وطنية موحدة تقيس جاهزية السجلات وحوكمة مشاركتها، بما يتماشى مع المستهدفات المباشرة لبرنامج التحول الوطني بوصفه ركيزة أساسية ضمن رؤية 2030.
تستند هذه المنظومة إلى استراتيجية وطنية للبيانات المفتوحة ترتكز على توفير بيانات عالية القيمة وقابلة لإعادة الاستخدام، بما يهدف إلى تعزيز النزاهة ودعم الشفافية وتحفيز الابتكار القائم على التعاون المشترك بين القطاعات لبناء اقتصاد وطني معتمد على البيانات. وحين فحصنا محاور المبادرات الست والعشرين المحددة لتنفيذ الاستراتيجية، رأينا تركيزها على بناء القدرات ورفع مستوى الوعي، والارتقاء بالبنية التحتية والتقنية، فضلًا عن توسيع الشراكات المحلية والدولية. يتصل هذا المسار مباشرة بمنصة سوق البيانات التابعة للهيئة، التي تقدم منظومة خدمات رقمية متكاملة تدير دورة حياة مشاركة البيانات بأطر معتمدة، بدءًا من اكتشاف الخدمة وطلبها وصولًا إلى نشرها وإتاحتها للمستفيدين، مما يسرع وتيرة التكامل بين المؤسسات الحكومية.
البيانات الحكومية غير المفتوحة ليست مجرد نقص في الشفافية، بل تمثل قيمة اقتصادية معطلة عن النمو والتداول. ينطلق هذا التحرك من أرقام دولية موثقة؛ إذ تشير دراسة أعدها معهد ماكنزي العالمي واستشهد بها البنك الدولي إلى أن استثمار البيانات المفتوحة في سبعة قطاعات اقتصادية حيوية قادر على توليد قيمة سنوية تتراوح بين ثلاثة تريليونات وخمسة تريليونات دولار حول العالم. وعلى المستوى الحكومي المقارن، قُدرت القيمة الاقتصادية السنوية المباشرة للبيانات المفتوحة بما يصل إلى أربعين مليار يورو في دول الاتحاد الأوروبي، وقرابة ملياري جنيه إسترليني في المملكة المتحدة. هذا الثقل الاقتصادي يفسر ارتباط إطلاق البرامج بمنتدى جامع يضم وزراء ومسؤولين وممثلي شركات محلية وعالمية، بمشاركة ثلاثة عشر متخصصًا محليًا ودوليًا في جلسات حوارية تدعم جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030.
تحول حوكمة البيانات إلى مؤشر وطني يقيس الجاهزية يفرض واقعًا عمليًا جديدًا على بيئة الأعمال التقنية في المنطقة. لم يعد بناء البرمجيات والحلول الذكية في أسواق الخليج أو مصر أو الشام مجرد رهان على جلب نماذج عامة وإعادة ضبطها، بل غدا محكومًا بقدرة الفرق الهندسية على الوصول إلى تدفقات بيانات محلية موثوقة ومفهرسة. بالنسبة لك كمهندس بيانات أو قائد تقني، يترجم هذا الإجراء إلى تقليص تكلفة الحصول على مجموعات البيانات الأولية بعد أن كانت الشركات الناشئة تبدد مواردها وشهور عملها في جمع البيانات وتنظيفها وتصنيفها من الصفر. كما يفرض التحول على الشركات المحلية مهارات امتثال صارمة وتحديثًا لهيكلية إدارة البيانات لتتوافق مع معايير الفهرسة والمشاركة الرسمية، مما يجعل جودة السجلات ونظافتها المعيار الأساسي لتقييم موثوقية الأنظمة الذكية وجاهزيتها للعمل في البيئات التنظيمية الحساسة.
مع اكتمال ملامح هذه المنظومة، تنتقل المملكة باقتصاد البيانات من مرحلة الرؤى العامة إلى مرحلة القياس الدقيق للأثر التشغيلي، حيث يصبح تداول البيانات محكومًا بمسارات طلب ونشر واضحة ومعايير نزاهة معلنة. هذا الانضباط يوفر للفرق التقنية والمؤسسات أساسًا صلبًا لبناء أدوات تحليلية وأنظمة أتمتة مستقرة، ويضمن أن تكون الحلول الرقمية المستقبلية مستندة إلى أرضية بيانات واقعية، بعيدًا عن التخمينات الفردية أو السجلات غير المكتملة.