تخطَّ إلى المحتوى

تسريع وتيرة القصف إلى ألف هدف يومياً: منصات الاستهداف الذكية تواجه مأزق الأهداف الخادعة والبيئات المعقدة

شارك المقال
تسريع وتيرة القصف إلى ألف هدف يومياً: منصات الاستهداف الذكية تواجه مأزق الأهداف الخادعة والبيئات المعقدة
الصورة: snap wander / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تتدفق إلى شاشات غرف العمليات العسكرية المعاصرة آلاف الساعات من لقطات الأقمار الصناعية وكاميرات الطائرات المسيرة، حيث لم يعد التحدي يكمن في وفرة بيانات الاستطلاع، بل في سرعة معالجة الخوارزميات لتلك المشاهد ورصد الأهداف وحساب مسارات الاشتباك. هذا التحول الرقمي تفرضه ضغوط الميدان مع انتقال أدوات برمجية شبيهة بنظام «مافين الذكي» إلى غرف العمليات المشتركة لتسريع ما يعرف عسكرياً باسم «سلسلة القتل» إلى دقائق معدودة، وهو ما مكن القوات الأمريكية سابقاً من رفع وتيرة القصف من نحو مئة موقع يومياً إلى أكثر من ألف موقع خلال أربع وعشرين ساعة فقط، وفق ما تكشفه سجلات العمليات العسكرية.

تجميع مئات المصادر الاستطلاعية في منصة رقمية موحدة: يقوم هذا النموذج البرمجي، المنبثق عن «مشروع مافين» الذي دشنه الجيش الأمريكي عام 2017، برصد الأنماط البصرية المعقدة عبر واجهة يصفها خبراء التقنية بأنها تشبه «غوغل إيرث مخصصاً للحرب». يحلل النظام البث الحي تلقائياً لتمييز منصات إطلاق الصواريخ والدبابات وقوافل الشاحنات، متجاوزاً الإرهاق البشري الذي فرضه فحص التسجيلات لساعات طويلة على المحللين العسكريين، ليعرض خيارات الاستهداف وطرق التعامل الناري وفق حسابات برمجية دقيقة.

غير أن نقل هذه الخوارزميات إلى ميادين النزاعات غير النظامية يواجه عوائق مادية حادة يصعب على النماذج التنبؤ بها. فالأطراف الميدانية، كجماعة الحوثي، تعتمد على قدرات تنقل سريعة توظف صواريخ باليستية محمولة على شاحنات وأسراباً من المسيرات الصغيرة المنطلقة من التلال والوديان الوعرة، مما يجعل المقاتلين يغادرون مواقعهم قبل تنفيذ الضربة رغم سرعة المعالجة الآلية. تضاف إلى ذلك عوامل التضاريس المتقلبة، من عواصف ترابية ورياح قوية وكثافة غطاء نباتي، وصولاً إلى الأهداف الخادعة والمجسمات الوهمية المنصوبة عمداً لتضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية وتخفيض معدلات دقتها.

تراجع التحقق البشري أمام ضغط التسريع الآلي: تكمن المعضلة الأخلاقية والعملياتية الأبرز في اختصار خطوات المراجعة البشرية تحت ضغط الاستجابة اللحظية. فعلى الرغم من أن القواعد تلزم وجود عنصر بشري للتحقق من الأهداف المقترحة آلياً، فإن تجارب الميدان أظهرت إخفاقات دامية؛ إذ أدى استهداف موقع صنفته الخوارزميات كقاعدة بحرية سابقة في إيران إلى مقتل نحو مئتي مدني في مدرسة ابتدائية كان معظمهم أطفالاً، متجاهلاً بيانات معلنة وساحات لعب واضحة في صور الأقمار. وتتطابق هذه الإشكاليات مع تجربة نظام «هبسورا» في غزة، حيث كشفت التحليلات المتخصصة أن تقليص الضمانات المدمجة بالتقنية لتسريع وتيرة العمليات ضاعف أعداد الضحايا المدنيين دون أن يحسم المعركة استراتيجياً.

بالنسبة للقيادات التقنية والدفاعية في الخليج والمنطقة، يتجاوز هذا المشهد الاستعانة بالفرق الاستشارية الأمريكية ليعيد رسم أولويات بناء القدرات المحلية. فالأولوية العملياتية تتجاوز شراء العتاد الصلب من مسيرات ورادارات، لتتركز في بناء طبقة التحليل والربط الرقمي، وتطوير خوارزميات تفهم جغرافيا الصحراء وتقلبات الرؤية الميدانية الخاصة بالمنطقة دون التبعية الكاملة لمنصات مغلقة. كما يفرض هذا الواقع تدريب الكوادر الميدانية على التدقيق النقدي في مخرجات النماذج الذكية تحت الضغط، وتثبيت ضوابط رقابية تمنع تفويض قرارات الاشتباك للآلات مهما بدت حساباتها متماسكة.

تكشف قراءتنا لهذه التحولات أن حوسبة الحروب، رغم قدرتها على تسريع وتيرة الاستهداف الرقمي، تصطدم بحدود البيئة الطبيعية والعوامل العقائدية للصراعات. إن الفارق بين الكفاءة البرمجية والحسم الميداني يظل محكوماً بالقدرة على فهم الواقع خارج شاشات التحكم، حيث تبقى دقة القرار الإنساني، لا سرعة الخوارزميات، هي المعيار الفاصل في إدارة النزاعات المعقدة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد