استراتيجية التحوط المزدوج: كيف تجمع دول الوسط بين رقاقات واشنطن ونماذج الصين المفتوحة؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
وجدت العواصم الباحثة عن موطئ قدم في سباق الذكاء الاصطناعي نفسها أمام معادلة استقطاب حادة تدفع نحو خيار ثنائي: إما الانضمام إلى تحالف «باكس سيليكا» بقيادة واشنطن لنيل أحدث الرقاقات وحصص سلاسل التوريد، وإما الالتحاق بـ«المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي» التي أطلقتها بكين وتضم تسعًا وعشرين دولة مؤسسة بينها باكستان وروسيا للاستفادة من النماذج مفتوحة المصدر والأنظمة منخفضة التكلفة. غير أن دول الوسط، أو الدول المتأرجحة، اختارت كسر هذا الاصطفاف الإلزامي عبر استراتيجية تحوط نشطة توظف مواردها الحيوية ومواقعها الجغرافية لانتزاع مكاسب متزامنة من المعسكرين المتنافسين.
تتبدى ملامح هذه المناورة بوضوح في كازاخستان، التي زار وزير ذكائها الاصطناعي، جاسلان مادييف، واشنطن في يونيو للانضمام إلى مجموعة تأمين سلاسل التوريد، ثم توجه بعد ثلاثة أسابيع فقط إلى شنگهاي ليوقع وثيقة تأسيس المبادرة الصينية. استندت هذه الخطوة إلى امتلاك البلاد ثروات معدنية أساسية لصناعة التقنية وكهرباء رخيصة لتشغيل مراكز البيانات، مما مكنها من إبرام اتفاق بقيمة تصل إلى عشرة مليارات دولار يشارك فيه عملاق الرقاقات «إنفيديا» لبناء مجمع خوادم ضخم، بالتوازي مع استقبال استثمارات صينية مباشرة سجلت رقماً قياسياً بلغ 2.8 مليار دولار في عام 2025. وتكرر المشهد ذاته في إندونيسيا التي استندت إلى احتياطياتها من النيكل والنحاس لتنضم إلى المنظمة الصينية مع التمسك بطلب الأنظمة الأمريكية، في حين تستضيف سنغافورة مكتبًا إقليميًا لشركة «أنثروبيك» بينما تدرس رسميًا الانضمام إلى المبادرة الصينية.
يقابل هذا الاندفاع بمواقف متباينة من القطبين، إذ تشترط وزارة الخارجية الأمريكية الولاء الصريح محذرة من أن الشراكة الموثوقة لا تستقيم مع الانخراط في مبادرات تتبنى رؤية منافسة لما تسميه إدارة ترامب الذكاء الفائق، بينما تركز بكين على خطاب الشمول وإتاحة التقنية للجميع لتوسيع دائرة نفوذها. وتكشف بيانات مختبر «إيد داتا» في جامعة ويليام آند ماري أن بكين قدمت منحًا وقروضًا رسمية لدعم مشاريع وأنشطة الذكاء الاصطناعي في سبع وسبعين دولة من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مثل نيجيريا وكينيا وبنغلاديش. ويمتد هذا التمايز العملي حتى إلى حلفاء واشنطن التقليديين، فاليابان تفصل بين معايير الأمن القومي التي تربطها بالرقاقات الأمريكية واستخدام النماذج الصينية الرخيصة للمهام الأقل خطورة، كما شهدت السعودية إطلاق منصة لشركة «هيومين» الناشئة مبنية على نموذج صيني مفتوح بالتزامن مع اتفاقيات حكومية مع «إنفيديا» لتوسيع البنية الحاسوبية الفائقة.
يفرض هذا التنافس العالمي واقعًا تنفيذيًا مباشرًا على قادة التقنية ومديري البنية التحتية في الخليج ومصر والمشرق العربي. إن الانقسام بين منظومة مغلقة باهظة التكلفة ومقيدة باشتراطات أمنية أمريكية، وبدائل صينية رخيصة ومفتوحة المصدر، يغير معادلة بناء المنظومات الرقمية للمؤسسات. بات لزامًا على فرق الهندسة والامتثال صياغة معمارية برمجية هجينة تفصل بين المهام: تشغيل المعالجات الحساسة والبيانات السيادية على رقاقات وسحابات متوافقة مع اشتراطات التصدير الغربية، واستغلال النماذج المفتوحة منخفضة التكلفة لأتمتة العمليات التشغيلية وخدمات العملاء دون تكبد فواتير استدلال متصاعدة أو الوقوع في فخ الارتهان لمزود وحيد. المهنة المطلوبة اليوم في أسواقنا لم تعد تقتصر على تدريب النماذج، بل إدارة المخاطر الجيوسياسية المدمجة في حزم البرمجيات ومستودعات الأكواد.
تثبت تحركات دول الوسط أن معركة الذكاء الاصطناعي انتقلت من سباق النماذج الأولية إلى معركة تثبيت النفوذ المؤسسي وسلاسل الإمداد. ومع تضاؤل قدرة أغلب دول العالم على بناء نماذج طليعية عملاقة بمفردها، يصبح التحوط الذكي وامتلاك أوراق المساومة، سواء أكانت طاقة أم معادن أم أسواقاً استهلاكية، الأداة الوحيدة لحماية السيادة الرقمية وتفادي كلفة الاصطفاف الأعمى خلف أي من القطبين.