سباق 250 مليار دولار للحوسبة الخليجية يصطدم بمعضلة المياه واستنزاف العوائد للخارج
تتسارع وتيرة بناء البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي في دول الخليج بحجم استثمارات مرصودة يتجاوز 250 مليار دولار، في مسعى استراتيجي لتقليص الاعتماد على عوائد النفط وتنويع الاقتصادات الوطنية. غير أن هذا التوسع، الذي يُنتظر أن يرفع قدرة مراكز البيانات في المنطقة من غيغاوات واحد في عام 2025 إلى 3.3 غيغاوات بحلول عام 2030، يضع الخطط الطموحة أمام اختبارات مادية وتشغيلية معقدة تتجاوز حجم التدفقات المالية المعلنة.
السباق الإقليمي تقوده ثلاثة مسارات رئيسية: تتقدم السعودية عبر مبادرة «مشروع السمو» (Project Transcendence) التي أُطلقت عام 2024 بقيمة 100 مليار دولار، والتي تبعها تأسيس صندوق الاستثمارات العامة في مايو 2025 لشركة «هيومين» (HUMAIN) الهادفة إلى الوصول بقدرتها إلى 1.9 غيغاوات بحلول 2030 ثم ما بين 6 و6.6 غيغاوات بحلول 2034. وفي قطر، أُسست شركة «كيو إيه آي» (Qai) في ديسمبر 2025 تحت مظلة جهاز قطر للاستثمار ضمن شراكة بنية تحتية بقيمة 20 مليار دولار، لتبرم لاحقًا شراكة مع شركة «ميزة» لنشر عتاد متقدم لمعالجات الرسوميات.
أما في الإمارات، فيخضع مشروع «ستارغيت» المشترك بين «جي 42» وشركاء تقنيين دوليين لإعادة هيكلة جوهرية في تصميمه الهندسي؛ فالمخطط الذي بدأ كمركز بيانات موحد بقدرة خمسة غيغاوات في أبوظبي، أعيد توزيعه ليتحول إلى شبكة مراكز متباعدة جغرافيا مع تعزيز الحماية ضد هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، عقب استهداف منشآت تابعة لشركة «أمازون» في الإمارات والبحرين في مارس، وما تبعها من تحذيرات إيرانية في أبريل اعتبرت المنشأة هدفا محتملا.
بعيدا عن التوترات الأمنية، تصطدم هذه المنشآت بحدود بيئية قاسية تفرضها طبيعة المنطقة الجغرافية. فمراكز البيانات الضخمة تستهلك ما يصل إلى خمسة ملايين جالون من المياه يوميا لأغراض التبريد، وهو عبء ثقيل في بيئة تعاني شحا مائيا حادا وتعتمد بصورة رئيسية على محطات تحلية مياه البحر كثيفة الاستهلاك للطاقة، مما يرفع كلفة التبريد ويضاعف الضغط على شبكات الكهرباء في أوقات الذروة الصيفية.
المعضلة الاقتصادية الأعمق، وفق ما حللنا في تقرير معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن، تكمن في سلاسل الإمداد العالمية. فرغم الملاءة المالية، يبقى قطاع الحوسبة الخليجي معتمدا بالكامل على عتاد وتقنيات مستوردة تتركز في أيدي قلة من المزودين الغربيين لأشباه الموصلات والتراخيص السحابية، مما يخلق تسربا ماليا مستمرا يعيد جزءا كبيرا من الإيرادات إلى الخارج. كما أن ضوابط التصدير الغربية تفرض التزامات صارمة قد تدفع دولا مثل الإمارات والسعودية للابتعاد الاستراتيجي عن الشراكات الصينية لضمان استمرار تدفق الرقائق الأمريكية المتقدمة.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه المؤسسات عبء هلوسة النماذج التوليدية ونقص الخبرات المتخصصة، مما يفرض الاعتماد على استقطاب كفاءات أجنبية بالتوازي مع برامج التدريب المحلية، فضلا عن تخصيص فرق لمراجعة المخرجات آليا وبشريا لتفادي الأخطاء التشغيلية المكلفة. وتكتمل الصورة بهشاشة كابلات الألياف الضوئية البحرية ومسارات نقل البيانات التي تتحول إلى أهداف ذات أولوية في النزاعات الإقليمية والهجمات السيبرانية المنظمة.
هذا الواقع يعيد ترتيب الأولويات التشغيلية للفرق التقنية في الخليج ومصر والمنطقة بأسرها: فالقدرة الحوسبية المحلية لن تكون خدمة فائضة ورخيصة، بل ستتحمل تكاليف إضافية ترتبط بهندسة الحماية الفيزيائية، وتبريد المياه المحلاة، ورسوم التراخيص الأجنبية المرتفعة. وما يفرضه ذلك على مديري التقنية وقادة المشاريع هو ضرورة بناء أنظمة عالية الكفاءة في استهلاك الموارد، وتفادي الهدر في استدعاء النماذج العملاقة، والاستعداد لسيناريوهات انقطاع مسارات الربط الدولية دون ارتباك العمليات اليومية.