«باكس سيليكا» في مواجهة التحالف الصيني: استقطاب الحوسبة يضيق خيارات الحياد التقني
تتسارع وتيرة الاستقطاب التقني بين واشنطن وبكين مع تشكيل كل منهما معسكرات وتكتلات دولية خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يضع عشرات الحكومات والشركات في مأزق متصاعد بين الاستفادة من مزايا القوتين وتجنب الخسارة. يتجسد هذا الانقسام بوضوح في مسارين متنافسين: مبادرة «باكس سيليكا» التي تقودها الولايات المتحدة لتعزيز سلاسل التوريد وشبكات الحلفاء، مقابل «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» التي أطلقتها الصين لتأطير المعايير الدولية واستقطاب الدول النامية. ومع تصاعد وتيرة التنافس، تضيق المساحة المتاحة للمناورة المستقلة، إذ ألمحت وزارة الخارجية الأمريكية صراحة إلى أن الدول لا يمكنها البقاء ضمن الشركاء الموثوقين في «باكس سيليكا» إذا واصلت الانخراط في مبادرات تدعم رؤية منافسة لما تسميه إدارة ترامب «الذكاء الخارق».
في المقابل، تتبنى بكين خطاب الانفتاح وإتاحة النماذج مفتوحة المصدر الأقل تكلفة، مؤكدة عبر سفارتها في واشنطن أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تحتكره القوى الكبرى. هذا التباين الإستراتيجي يمنح ما يسميه المحللون في معهد بروكينغز «الدول المتأرجحة» نفوذًا خاصًا في المرحلة الحالية، حيث تسعى دول عديدة لتفادي الاختيار الثنائي القسري. وتبرز كازاخستان كنموذج صريح لسياسة التحوط هذه، فبعد أسابيع قليلة من زيارة وزير ذكائها الاصطناعي جاسلان مادييف إلى واشنطن لتعزيز سلاسل الإمداد، توجه إلى شنغهاي لتصبح بلاده عضوًا مؤسسًا في المنظمة الصينية إلى جانب ثمان وعشرين دولة من بينها باكستان وروسيا. تستند كازاخستان في هذه المناورة إلى مواردها التعدينية الحيوية وطاقتها الرخيصة لمراكز البيانات، جامعة بين اتفاقية بقيمة تصل إلى عشرة مليارات دولار مرتبطة بشركة إنفيديا لبناء وادٍ للحوسبة، وتدفقات استثمارية صينية مباشرة بلغت مستوى قياسيًا عند 2.8 مليار دولار في عام 2025.
التحوط لم يعد خيارًا دبلوماسيًا مجردًا، بل تحول إلى معادلة هندسية تحكم الإنفاق واختيار المعمارية البرمجية في المؤسسات. يمتد هذا الواقع إلى دول أخرى مثل إندونيسيا الغنية بالنيكل والنحاس وسنغافورة، وحتى قوى متقدمة كاليابان التي تعتمد الرقاقات والتحالف الأمني الأمريكي لكنها تستعين بالنماذج الصينية منخفضة التكلفة للتطبيقات الأقل خطورة. وفي حين تتيح المنظومة الصينية المفتوحة بدائل تقلل التبعية لواشنطن، مع تقديم بكين قروضًا ومنحًا رسمية لمشاريع الذكاء الاصطناعي في سبع وسبعين دولة منخفضة ومتوسطة الدخل بحسب بيانات معمل «إيد داتا» في جامعة ويليام آند ماري، تواجه دول صناعية كبرى كبريطانيا وألمانيا قيودًا تجعل وصولها إلى الحوسبة المتقدمة مرهونًا بتقلبات القرارات السياسية في واشنطن وبكين.
هذا الانقسام الدولي يلقي بظلاله المباشرة على الشرق الأوسط، وتحديدًا على خطط التطوير التقني في الخليج ومصر والمنطقة العربية. المملكة العربية السعودية تجسد بوضوح إدارة هذه الازدواجية، إذ كشفت شركة «هومين» الناشئة في سبتمبر عن منصة معتمدة على نموذج مفتوح طورته شركة صينية، بالتوازي مع اتفاقية المملكة مع شركة «إنفيديا» لتوسيع قدرات الحوسبة المتقدمة باستخدام أحدث رقاقاتها. بالنسبة لك كقائد تقني أو صانع قرار استثماري في المنطقة، يعني هذا التحول أن قرارات الشراء واختيار المنصات تجاوزت الحسابات التقنية الضيقة لتصبح خيارًا استراتيجيًا، فالاعتماد الحصري على المعسكر الأمريكي يوفر أقوى عتاد استدلال وتدريب، لكنه يفرض اشتراطات امتثال صارمة ويجعلك عرضة لضوابط التصدير الأمريكية وتقلباتها، بينما يمنحك التوجه نحو النماذج الصينية المفتوحة قدرة أكبر على النشر المحلي وتفادي الاحتكار وخفض كلفة التشغيل، لكنه قد يهدد وصولك المستقبلي إلى شراكات الحوسبة الغربية الفائقة.
وكما يلخص ألوك ميهتا من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن بناء النماذج الطليعية الضخمة قد يظل حكرًا واقعيًا على الولايات المتحدة والصين، في حين تنشغل بقية دول العالم بالبحث عن صيغة تحفظ سيادتها الرقمية. معركة النفوذ بين واشنطن وبكين ترسم حدود الحوسبة القادمة، والنجاح في منطقتنا لن يقاس بالاصطفاف خلف طرف دون آخر، بل بالقدرة على تشغيل منظومات هجينة توازن بين سيادة البيانات وأحدث ما تفرزه مراكز الأبحاث العالمية.