تخطَّ إلى المحتوى

منظومة الاستهداف الأمريكية الذكية في حرب اليمن: تسريع الضربات أمام معضلة التضاريس والمدنيين

شارك المقال
منظومة الاستهداف الأمريكية الذكية في حرب اليمن: تسريع الضربات أمام معضلة التضاريس والمدنيين
الصورة: Ibrahim Boran / Unsplash

تمركز نحو مئتي عسكري أمريكي في غرفة عمليات مشتركة داخل السعودية، حاملين معهم أداة رقمية ترسم ساحة المعركة لحظة بلحظة، في محاولة لكبح هجمات الحوثيين المتصاعدة على المطارات والمنشآت النفطية. النظام الذي دخل خط المواجهة يحاكي نظام مافن الذكي، المنظومة العسكرية الأبرز التي طورتها وزارة الدفاع الأمريكية منذ عام 2017، لتحويل سيل البيانات المرئية المتدفقة من الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع إلى أهداف محددة بدقة وسرعة فائقتين.

تقوم المنظومة على تجميع وتنظيم وتحليل مئات المصادر الاستخباراتية المتزامنة، وفق توصيف خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، وهي الآلية التي وصفها بيلاوال سيدهو، مدير المنتجات السابق في غوغل، بأنها أشبه بنسخة من تطبيق غوغل إيرث مخصصة للحرب. الوظيفة الجوهرية هنا هي اختصار ما يُعرف في العقيدة العسكرية بسلسلة القتل، أي تقليص الوقت المستغرق بين رصد الهدف، والتأكد من خطورته، وإصدار أمر تدميره. فبينما كانت الفرق البشرية تحتاج في غزو العراق عام 2003 إلى ألفي فرد لتحديد الأهداف، أظهرت مناورة عسكرية أمريكية عام 2024 أن عشرين فرداً فقط كافون لإدارة العملية ذاتها بفضل الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس ميدانياً في الهجوم الأمريكي على إيران أواخر فبراير، حيث قفز معدل الضربات من مئة هدف يومياً في السابق إلى أكثر من ألف هدف خلال أول أربع وعشرين ساعة.

غير أن نقل هذه الخوارزميات إلى الجبهة اليمنية يصطدم بعقبات ميدانية معقدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي أمام الحروب غير المتناظرة. يعتمد مقاتلو الحوثي على حركة سريعة ونشر صواريخ باليستية محمولة على شاحنات، وإطلاق أسراب من المسيرات الصغيرة من بين التلال والوديان الوعرة، ما يتيح لهم مغادرة مواقعهم قبل تنفيذ الضربة الجوية حتى مع التوجيه الخوارزمي. وتؤكد البيانات الفنية أن دقة نظام مافن تتراجع بوضوح خارج المساحات المفتوحة، إذ تتسبب العواصف الترابية، والتقلبات التضاريسية الصحراوية، والأهداف التمويهية المصنوعة عمداً، في خفض كفاءة الرصد وإرباك نماذج التعرف البصري.

الخطر الأعمق يرتبط بانهيار ضمانات التحقق البشري أمام ضغط تسريع وتيرة الاستهداف. نظرياً، يُفترض أن يراجع محلل عسكري بشري كل هدف ترشحه الخوارزمية قبل الضغط على الزناد، لكن الممارسة الميدانية تظهر تآكل هذه الضوابط تدريجياً. ففي الضربة الأمريكية الأولى على إيران، صنفت المنظومة مدرسة ابتدائية جنوب البلاد كهدف عسكري بناء على سجلاتها القديمة كموقع بحري، ما أدى إلى مقتل قرابة مئتي شخص معظمهم أطفال بين سن السابعة والثانية عشرة، رغم وضوح الملاعب والساحات المدرسية في صور الأقمار الصناعية. وتكرر هذا الخلل في قطاع غزة مع نظام حبصورة الإسرائيلي الشبيه بمافن، حيث حذر الباحثان فريدريك ويهري وأندرو بوني في تحليلهما عبر منصة وور أون ذا روكس من أن مكاسب الوعي الميداني غطاها تصاعد الضحايا المدنيين نتيجة تخفيف قيود المراجعة البشرية، وهو ما يراه الكاتب أنتوني لوينشتاين مؤشراً على أن هذه الأدوات تفاقم الدمار دون أن تكسر قدرة الخصوم العقائديين على تحمل الخسائر.

يضع هذا التطور مسؤولي الدفاع وقادة التخطيط الاستراتيجي في الخليج أمام حقيقة تقنية حاسمة: الذكاء الاصطناعي العسكري لا يمثل حلاً سحرياً لمعادلة الردع، بل يفرض معضلة تبعية تشغيلية جديدة. الاعتماد على برمجيات استخباراتية تتطلب وجود ضباط أمريكيين لإدارتها يربط القرار التكتيكي بالبنية السحابية وشبكات المراقبة الخارجية، كما أن تسريع قرارات الاشتباك الآلي ينقل عبء الأخطاء الميدانية والتبعات السياسية والقانونية المترتبة على سقوط الضحايا إلى عاتق غرف العمليات المحلية. ما يتغير عملياً للمنطقة هو أن حماية المنشآت الحيوية والموانئ تتجاوز فكرة شراء أسلحة دفاعية إضافية، لتفرض تقييماً نقدياً لكلفة تقليص الرقابة البشرية، مع إدراك أن الخوارزميات، مهما بلغت سرعة معالجتها، تظل عاجزة عن تعويض الفهم التكتيكي لطبيعة التضاريس وحسابات الاستنزاف المعقدة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد