تخطَّ إلى المحتوى

326 مليار دولار ديونا لتأمين الحوسبة: خوادم الذكاء الاصطناعي تستنزف سيولة عمالقة التكنولوجيا

شارك المقال
326 مليار دولار ديونا لتأمين الحوسبة: خوادم الذكاء الاصطناعي تستنزف سيولة عمالقة التكنولوجيا
الصورة: Blake Connally / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تُظهر متابعتنا لنتائج أعمال كبرى شركات التكنولوجيا أن سباق بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق لم يعد يقابل بالترحيب التلقائي في أسواق المال، بل تحول إلى عبء مالي ثقيل يستنزف التدفقات النقدية الحرة. فخلال الأسبوعين الأخيرين، حددت شركات «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» و«مايكروسوفت» خططا لإنفاق يتجاوز 740 مليار دولار على النفقات الرأسمالية هذا العام، وهو ما فسرته وول ستريت كإنفاق مباشر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل الخوادم والرقائق ومراكز البيانات الضخمة. غير أن الحماس الذي استقبل تلك الميزانيات في بدايات الطفرة تراجع مع دخول الربع الرابع، ليحل محله قلق واسع من تآكل السيولة وتراكم الديون والشك في قدرة هذه الاستثمارات على توليد عوائد موازية.

انعكس هذا القلق بحدة على الأسواق يوم الجمعة، حيث هبط مؤشر ناسداك بنسبة 2.9 في المئة، وتراجعت أسهم أشباه الموصلات بعد هبوط «إنفيديا» بنسبة 4 في المئة، و«برودكوم» بأكثر من 5 في المئة، و«كوالكوم» بنسبة 11 في المئة. وكانت «ألفابت» النموذج الأكثر وضوحا لهذا المأزق، بعدما هبط سهمها بنسبة 12 في المئة يوم الخميس في أسوأ أداء يومي بتاريخها لتمحو 500 مليار دولار من قيمتها السوقية، قبل أن تواصل التراجع. وسجلت الشركة تدفقات نقدية حرة سالبة بلغت 9.1 مليار دولار في الربع الثالث، وهو ربعها الثاني تواليا في النطاق السالب، رغم قفزة نفقاتها الرأسمالية الفصلية إلى 51.4 مليار دولار، مع توقعات بوصول إجمالي الإنفاق الرأسمالي إلى 205 مليارات دولار هذا العام واستمرار تصاعده في عام 2027. وتواجه غوغل معضلة بنيوية دقيقة، إذ تلتهم ميزة البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي حصة من إيرادات إعلانات البحث التقليدية التي تشكل نصف دخلها، حيث تباطأ نمو هذا القطاع إلى 12 في المئة مسجلا أضعف أداء في خمسة فصول، ما يجعل الشركة تنفق المليارات على تقنية تقوض نموذج ربحيتها التاريخي.

وفي المسار نفسه، سجلت «أمازون» تدفقات نقدية حرة سالبة بلغت 42.4 مليار دولار على مدار الأشهر الاثني عشر الماضية، مقارنة بتدفقات إيجابية بلغت 14.8 مليار دولار في العام السابق، مع توقعات بإنفاق رأسمالي يصل إلى 220 مليار دولار هذا العام، ليهبط سهمها بنسبة 7 في المئة رغم نمو إيرادات سحابتها بنسبة 39 في المئة. أما «ميتا»، فسجلت عجزا نقديا حرا بقيمة 2.1 مليار دولار في الربع الثالث بعدما تجاوزت النفقات الرأسمالية سيولتها التشغيلية، مع توجيه إنفاقها الرأسمالي السنوي نحو 145 مليار دولار. واعترفت الشركة بأن وكيلها الشخصي الجديد «ميوز» يستهلك قدرات حوسبة هائلة ويتحول إلى استنزاف مالي حقيقي، ورغم نمو إعلاناتها 26 في المئة، تلقى سهمها ضربة بنسبة 10 في المئة.

وجاءت «مايكروسوفت» استثناء وحيدا بين الكبار بتسجيل تدفقات نقدية حرة إيجابية بلغت 18.6 مليار دولار في ربعها الأخير، مع إنفاق رأسمالي بلغ 45.2 مليار دولار، وهو رقم يقل عن توقعاتها البالغة 50 مليارا. غير أن الشركة عزت هذا التباطؤ إلى تأخر تسليم القدرات الحوسبية من مزودين خارجيين وليس إلى تقليص متعمد للميزانيات، وهو ما أدى بدوره إلى هبوط أسهم الشركات الصغيرة التي تؤجر قدرات الحوسبة السحابية. واللافت أن تمويل هذه البنية التحتية لم يعد يعتمد على الأرباح التشغيلية وحدها، بل امتد إلى أسواق السندات والقروض؛ إذ كشفت بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» أن شركات مايكروسوفت، وألفابت، وأمازون، وميتا، وأوراكل جمعت مجتمعة 326 مليار دولار عبر الديون خلال عام 2026، وهو ثلاثة أضعاف ما اقترضته في العام الماضي.

هذا التحول الجذري في مالية البنية التحتية العالمية يعيد صياغة حسابات مديري التقنية في الخليج ومصر والمنطقة بأكملها. فعندما تضطر كبرى منصات الحوسبة إلى الاقتراض بمليارات الدولارات وتتحمل عجزا نقديا مستمرا لتأمين الخوادم، فإن حقبة الخدمات السحابية والاستدلال الرخيص المدعوم بأرباح وادي السيليكون تقترب من نهايتها. سيتعين عليك إذا كنت تقود بنية رقمية أو تشرف على ميزانية تقنية أن تستعد لارتفاع متوقع في فواتير الاستدلال وتضييق شروط الاستخدام التجاري لواجهات البرمجة. هذا الواقع يفرض على المطورين والمهندسين في أسواقنا مهارة إجبارية تركز على كفاءة استهلاك النماذج وضغط الحوسبة بدلا من الاستدعاء غير المحسوب، كما يمنح مشاريع مراكز البيانات الوطنية واستراتيجيات السيادة الرقمية في السعودية والإمارات مبررا حاسما لتقليل التبعية المالية والتشغيلية لمزودي السحابة العالميين.

وتلقي هذه الضغوط بظلالها أيضا على خطط الطرح العام لشركة «أنثروبيك» التي تقدمت بطلب إدراجها مؤخرا، بعدما حذرت «بلاكستون» عبر تقرير أوردته «فايننشال تايمز» من أن الشركة قد لا تنال تصنيفا ائتمانيا بدرجة استثمارية عقب الاكتتاب، ما قد يبقيها رهينة لعمالقة السحابة لتأمين احتياجاتها الحوسبية. الطلب على الحوسبة لا يزال مرتفعا وعائدات السحابة تنمو لدى الكبار، لكن معادلة التمويل تغيرت جذريا، ولم يعد بمقدور أحد تجاهل الفجوة بين حرق المليارات وتحقيق أرباح ملموسة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد