تعثر مشاريع مراكز البيانات الأمريكية بقيمة 200 مليار دولار: الحوسبة المادية تصطدم بصناديق الاقتراع
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
في مستودع خافت الإضاءة بحي بروكلين النيويوركي، احتشد سياسيون ومطورو تقنية وناشطون للحديث عن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وسرعان ما سيطرت قضية واحدة على منصات النقاش: مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والرفض الشعبي المتصاعد لتمدد البنية التحتية التقنية. حين طرحت مديرة إحدى الجلسات سؤالا عفويا على الحضور لمعرفة من يؤيد بناء هذه المراكز، قوبل السؤال بصيحات استهجان صريحة داخل القاعة، كاشفة عن اتساع الهوة بين تفاؤل مجتمع وادي السيليكون ومخاوف المجتمعات المحلية من التكاليف المعيشية والبيئية لتلك المنشآت الضخمة.
أظهر تقرير حديث لمنظمة «داتا سنتر ووتش» أن مشاريع لمراكز البيانات تقارب قيمتها 200 مليار دولار قد تعطلت أو تجمدت أو أُلغيت خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، نتيجة معارضة سياسية ومجتمعية متزايدة. هذا الانسداد لم يعد مقصورا على المناطق الريفية، بل امتد إلى ولايات رئيسية مثل بنسلفانيا، وجورجيا، وتكساس، ونيويورك، وفرجينيا التي تضم وحدها مئات المشاريع المخططة وتُلقب بعاصمة مراكز البيانات العالمية. تبحث هذه الولايات اليوم فرض ضوابط تنظيمية ملزمة وقواعد شفافية صارمة حول وتيرة التشييد المتسارعة والصفقات المبرمة خلف الأبواب المغلقة.
تتغذى هذه المعارضة من شعور السكان بفقدان السيطرة على أحيائهم السكنية في ظل اتفاقات سرية يعقدها كبار مسؤولي التقنية مع الإدارات المحلية، فضلا عن غموض قوانين تقسيم المناطق وتأثير الاستهلاك الهائل للطاقة والمياه. ورغم دفاع بعض النقابات العمالية عن هذه المشاريع بحجة ما توفره من وظائف، فإن الوقائع تؤكد أن مراكز البيانات تولد نشاطا تشغيليا كثيفا خلال مرحلة البناء فقط، بينما تتراجع فرص العمل الدائمة إلى الحد الأدنى بمجرد اكتمال المنشأة وبدء تشغيل الخوادم. يمتد هذا الرفض عبر الطيف السياسي الأمريكي؛ ففي ولاية أوهايو واجه مرشحون صيحات استهجان مماثلة لدعمهم هذه المنشآت، بينما رُفعت في مجتمعات بجنوب كاليفورنيا لافتات مناهضة تتهم تلك المجمعات بابتلاع الموارد.
ما تشهده الساحة الأمريكية يعيد ترتيب حسابات الطاقة والاستثمار التقني لمن يدير خطط الحوسبة في الخليج والشرق الأوسط. في الوقت الذي تواجه فيه الشركات الأمريكية الكبرى قيودا بلدية وتأخيرا بمليارات الدولارات في مد شبكات التغذية الكهربائية، تتقدم دول الخليج بطرح نفسها منصة بديلة وموثوقة لاحتضان الحوسبة الفائقة عبر توفير مساحات واسعة وشبكات طاقة مدعومة سياديا. ومع ذلك، يحمل المشهد درسا تشغيليا حاسما لقطاع الأعمال بالمنطقة؛ فالمراهنة على مراكز البيانات كأداة لخلق فرص عمل محلية واسعة النطاق رهان غير دقيق حسابيا، إذ تقتصر قيمتها الحقيقية على تطوير البرمجيات واستثمار القدرات الحاسوبية داخل المؤسسات وليس في أعمال الصيانة الميدانية للمباني.
يفرض هذا التحول على مطوري البنية التحتية في السعودية والإمارات ومصر قراءة صريحة لخرائط الإمداد والتنظيم؛ إذ إن تعطيل مشاريع أمريكية بقيمة مئتي مليار دولار سيؤدي حتما إلى تحويل مسارات الإنفاق الرأسمالي نحو الأسواق المستقرة تنظيميا، مما يرفع وتيرة الطلب على معدات التبريد ومحطات التحويل الكهربائي ذات الجهد الفائق في المنطقة. في المقابل، تظهر التجربة الأمريكية أن استقرار شبكات الكهرباء وتفادي الصدمات السعرية في فواتير الطاقة يتطلبان حوكمة معلنة لاتفاقات التغذية مع شركات التقنية الكبرى، تجنبا لأي احتكاك مستقبلي بين متطلبات الحوسبة وحقوق المجتمعات المحيطة بها.