تصدع نموذج السحابة الجديدة: ديون بمليارات الدولارات واندماجات وشيكة لمستودعات الذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تكشف قراءتنا لحركة السيولة في مستودعات الحوسبة الفائقة عن تصدع متسارع في نموذج تشغيلي اعتمدت عليه كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي لتأمين قدراتها الحاسوبية. في وادي السيليكون وسان فرانسيسكو، لم تعد أسماء مثل «كور ويف» و«نيبيوس» أطرافًا مغمورة في البنية التحتية، بل باتت محور نقاش مالي محتدم بعدما راكمت ديونًا بمليارات الدولارات لتشييد منشآت مكتظة بأجهزة الحوسبة باهظة الثمن. هذه الشركات، المعروفة باسم شركات السحابة الجديدة، تشتري العتاد مقدمًا وتؤجره لشركات رائدة مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا»، متكئة على عقود تأجير طويلة الأجل كضمانات للاقتراض والتوسع.
يشرح كوري جونسون، المحلل في مؤسسة «ذا كوايت بيريود» لأبحاث الاكتتابات، أن هذا النموذج يفرض سداد أثمان العتاد بالكامل عند الشراء، ما يدفع المشغلين للاستدانة بضمان العقود الموقعة مع العملاء إلى جانب رقائق الذكاء الاصطناعي نفسها. لاحظ هنا أن المقرضين غالبًا ما ينظرون إلى الجدارة الائتمانية للشركات المستأجرة مثل «مايكروسوفت» و«ميتا» أكثر من تقييمهم للوضع المالي للشركة المشغلة. تراكمت على «كور ويف»، متصدرة هذا القطاع، ديون بلغت 35.1 مليار دولار لأن المقرضين رهنوا تسهيلاتهم بالجدارة الائتمانية لعملائها الكبار أكثر من ملاءتها الذاتية. ومع تصاعد قلق أسواق المال، خسر سهم الشركة ربع قيمته خلال شهر واحد، وتراجعت أسهم شركات منافسة مثل «نيبيوس» و«آيرن» و«أبلايد ديجيتال» بنسب مماثلة أو أكبر، بينما بات مستثمرو الديون يطالبون بعوائد أعلى بكثير لتغطية المخاطر.
تعود جذور أغلب هذه المنشآت إلى قطاع تعدين العملات المشفرة، إذ تأسست «كور ويف» عام 2017 للتركيز على تعدين عملة إيثريوم، وسارت على المسار نفسه شركات «كور ساينتيفيك» و«آيرن» و«أبلايد ديجيتال»، قبل أن تعيد توجيه بنيتها التحتية المادية نحو الذكاء الاصطناعي مع إطلاق نموذج «تشات جي بي تي» أواخر عام 2022. والاستثناء الأبرز كان شركة «نيبيوس»، التي انفصلت وغيرت اسمها عام 2024 بعد أن كانت جزءًا من محرك البحث الروسي «ياندكس». واليوم يرتبط مصير هذا القطاع كليًا بحجم إنفاق عمالقة التكنولوجيا ومطوري النماذج؛ إذ توضح ميليسا أوتو، رئيسة أبحاث «فيزيبل ألفا» في «إس آند بي غلوبال»، أن سباق التسلح التقني ضخ مبالغ إنفاق هائلة في المنظومة، غير أن إعلان «مايكروسوفت» و«غوغل» مؤخرًا عن توقعات إنفاق على الذكاء الاصطناعي جاءت أدنى من تقديرات «وول ستريت»، كان كافيًا لدفع أسهم شركات السحابة الجديدة نحو الهبوط.
يتزامن هذا الضغط مع عثرات تشغيلية واضحة؛ إذ ألغت «مايكروسوفت» اتفاقًا مع شركة «إن سكيل» البريطانية في ظل أزمات إمدادات الطاقة التي قد تمتد حتى عام 2030، كما جمّدت شركة «فيرموس» الأسترالية خطط طرح أسهمها للاكتتاب العام. وتتوقع مؤسسة «غارتنر» أن تضطر 80 بالمئة من شركات السحابة الجديدة إلى التوقف عن العمليات المستقلة بحلول عام 2030، بينما يرى تشارلي داي، نائب الرئيس وكبير المحللين في «فوريستر»، أن النموذج يواجه مخاطر مالية متزايدة تجعل استحواذ جهات أكبر على ثلاث من هذه الشركات على الأقل أمرًا وشيكًا، رغم تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لقناة «سي إن بي سي» التي قلل فيها من المخاوف واصفًا القطاع بأنه مكوّن صغير من المنظومة الكلية. علق إيلون ماسك محذرًا من أن تكاليف الاقتراض المتصاعدة ستدفع أكثر من مئتي شركة سحابية نحو موجة فناء واندماج جماعي، ولن ينجو منها سوى قلة.
نرى في هذه التصدعات المالية انعكاسًا مباشرًا على خيارات البنية التحتية لمن يدير منظومات الحوسبة والتقنية في الخليج ومصر والشام. تعتمد فرق التطوير والمشاريع الرقمية في المنطقة على استئجار سعات حوسبة مرنة لتدريب النماذج وتشغيل أعباء العمل دون تكبد شراء المعالجات مباشرة، لكن ارتباك المشغلين المستقلين تحت وطأة الديون يعني احتمالين: إما ارتفاع تكلفة تأجير وحدات المعالجة لنقل كلفة الفوائد المصرفية إلى العملاء، وإما خطر انقطاع السعات المجدولة حال تعثر المزود أو بيعه قسرًا. يفرض هذا المشهد على مسؤولي التقنية في المنطقة مراجعة شروط العقود المبرمة، ووضع خطط طوارئ تمنع الارتهان لمزود خارجي وحيد مثقل بالالتزامات، فضلًا عن تعزيز الاستثمار في مراكز البيانات والسعات السيادية المحلية لضمان استقرار العمليات بمعزل عن تقلبات الائتمان الغربي.
ورغم تأكيد مايك إنتراتور، الرئيس التنفيذي لـ«كور ويف»، أن السوق تتحرك بطريقة غير عقلانية وأن كبرى الشركات العالمية تصطف للحصول على خدمات البنية التحتية لشركته، وتأكيد محللي «يوركفيل آيفز» أن الطلب على الحوسبة لا يزال يفوق المعروض، فإن التحدي الحقيقي يلوح مع ترقب الطرح العام المرتقب لأسهم «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». وإن تباطأ هذا الزخم، فإن الأضرار الجانبية، وفق تحذير برادلي توسك من «توسك فينتشرز»، ستصيب أولًا المستودعات المدينة بمليارات الدولارات، لتتحول معركة الذكاء الاصطناعي من حيازة الرقائق إلى النجاة من مقصلة الديون.