بنية الذكاء الاصطناعي تعيد هندسة أعمال التقنية السعودية: عقود الاستضافة تصعد بالإيرادات وتضع هوامش الربحية قيد الاختبار
لم يعد التحول الرقمي في أسواق المنطقة مجرد عملية ترقية للأنظمة التقليدية أو شراء لرخص البرمجيات، بل دخل مرحلة جديدة تقودها متطلبات البنية التحتية للحوسبة ومعالجة البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. تكشف النتائج المالية لشركات قطاع التطبيقات وخدمات التقنية المدرجة في السوق المالية السعودية خلال النصف الأول من عام 2026 عن تحول هيكلي واضح في طبيعة الطلب المؤسسي والحكومي. فقد قفزت إيرادات القطاع بنسبة 14.7 في المائة لتصل إلى 12.99 مليار ريال (ما يعادل 3.46 مليار دولار)، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، في حين ارتفع صافي الأرباح الإجمالية بنسبة 4.73 في المائة ليبلغ 2.14 مليار ريال (نحو 570 مليون دولار). هذا التباين بين وتيرة نمو الإيرادات ونمو الأرباح يعكس مرحلة انتقالية تتطلب استثمارات رأسمالية وتشغيلية مكثفة للتوسع في مراكز البيانات والخدمات المدارة.
أظهرت بيانات الشركات المدرجة تمايزاً في نماذج النمو بين الكيانات الكبرى والشركات المتخصصة. حافظت شركة «سلوشنز» على صدارة الإيرادات بتحقيقها 6.24 مليار ريال بنمو سنوي بلغ 9 في المائة، وصافي أرباح وصل إلى 824 مليون ريال بزيادة 2.1 في المائة، مدفوعة بارتفاع إيرادات خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات الأساسية بنسبة 19.6 في المائة. وجاءت شركة «علم» في المرتبة الثانية بإيرادات بلغت 4.99 مليار ريال محققة نمواً بنسبة 21.1 في المائة، مع تجاوز أرباحها حاجز 1.17 مليار ريال بنمو قدره 7.7 في المائة، مدعومة بقفزة في إيرادات الأعمال الرقمية بنسبة 22.31 في المائة. كما تمضي «علم» في خطط توسيع نطاق أعمالها غير العضوي، مستهدفة أن تساهم الاستحواذات بنحو 20 في المائة من دخلها خلال السنوات الخمس المقبلة، عقب صفقة استحواذها الكامل على شركة «ثقة» لخدمات الأعمال بقيمة 3.4 مليار ريال في أبريل 2025.
على صعيد الشركات المتوسطة والمتخصصة في البنية التحتية، حققت شركة «المعمر» ثالث أعلى إيرادات في القطاع بنمو لافت بلغ 28.2 في المائة لتصل إلى 910 ملايين ريال، غير أن صافي أرباحها تراجع بنسبة 15.85 في المائة إلى 55.6 مليون ريال. ويعود هذا الضغط على الهوامش الربحية إلى تكاليف التوسع والمشروعات الجديدة، والتي كان أبرزها ترسية عقد لخدمات استضافة مراكز البيانات مع شركة المستقبل للذكاء الاصطناعي «هيوماين» بقيمة تتجاوز 30 في المائة من إجمالي إيرادات «المعمر» لعام 2025. وقد نجحت خمس شركات من أصل سبع مدرجة في القطاع بتحقيق أرباح نصفية، شملت أيضاً «توبي» و«دي بي إس»، في حين سجلت «بحر العرب» تحولاً إلى الربحية خلال الربع الثاني رغم خسارتها المحدودة على مستوى النصف الأول بأكمله.
إن التحول في تركيبة الإنفاق التقني ينقل السوق من شراء الحلول الجاهزة إلى حجز قدرات الاستضافة والحوسبة المتقدمة. يوضح التحليل الاقتصادي للقطاع، والذي يتماشى مع بلوغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي 199 مليار ريال بنهاية 2025 بمعدل نمو سنوي مركب قدره 8 في المائة، أن الإيرادات تستند إلى ثلاثة محركات رئيسية: استمرار الإنفاق الحكومي والمؤسسي على المنصات الرقمية والأمن السيبراني، وتنامي الإيرادات المتكررة الناتجة عن الاستهلاك الرقمي شبه الشامل، وصعود الاستثمار المباشر في مراكز البيانات وقدرات معالجة الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من ارتفاع إيرادات الربع الثاني للقطاع بنسبة 15.98 في المائة لتصل إلى 6.77 مليار ريال، فإن صافي الأرباح الفصلية انخفض بنسبة 4.77 في المائة إلى 1.058 مليار ريال، مما يسلط الضوء على أهمية الانضباط التشغيلي في إدارة العقود الضخمة.
يحمل هذا المشهد دلالات تنفيذية مباشرة للمسؤولين التقنيين وقادة الأعمال في الخليج ومصر والمنطقة ككل. لم يعد بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي مقتصراً على استيراد النماذج أو دمج واجهات برمجة التطبيقات، بل أصبح يتطلب تعاقدات طويلة الأجل على استضافة مراكز البيانات والبنية التحتية المحلية. الشركات المزودة للخدمات ومكاملو الأنظمة في الأسواق الإقليمية باتوا مطالبين بإعادة هيكلة نماذج أعمالهم نحو الاستضافة والخدمات السحابية المدارة، مع الحذر من تآكل هوامش الربح تحت وطأة تكاليف التمويل ورأس المال العامل والمنافسة على الكفاءات التقنية المتخصصة. إن التحول من منطق بيع البرمجيات إلى تشغيل البنية التحتية يفرض على المؤسسات إعادة تقدير التكاليف التشغيلية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، والتركيز على العائد الفعلي قبل الدخول في التزامات حوسبة واسعة النطاق.