من سبع دقائق إلى 45 ثانية: جامعة دبي الطبية تبتكر كرسيا ذكيا لفرز الطوارئ ومسعفا جويا دون إنترنت
تنتقل أبحاث الرعاية الصحية في المنطقة من مجرد برمجيات المحادثة إلى تطوير عتاد سريري ملموس يواجه اختناقات غرف الطوارئ مباشرة. في هذا السياق، كشفت جامعة دبي الطبية عن حزمة مشاريع تطبيقية يقودها الذكاء الاصطناعي، تستهدف تقليص زمن الفرز المبدئي للمرضى من سبع دقائق إلى نحو 45 ثانية فقط، إلى جانب توجيه الإسعافات الأولية في المناطق النائية عبر طائرات مسيرة تعمل بمعزل تام عن شبكات الاتصال.
المشروع الأبرز في هذه المبادرة يتمثل في كرسي تشخيص المؤشرات الحيوية بالذكاء الاصطناعي، وهو منصة فحص مجهزة بحزمة من الكاميرات والحساسات الدقيقة لقياس وزن المريض وطوله وضغط دمه، بالإضافة إلى معدل نبضات القلب والتنفس وحرارة الجلد بصورة متزامنة، ثم تمرير البيانات المسجلة آليًا وبشكل مباشر إلى الطبيب المعالج. وتوضح حصة يحيى لوتاه، رئيسة قسم الذكاء الاصطناعي والابتكار في الجامعة، أن عملية فرز الحالات في أقسام الحوادث تستغرق تقليديًا بين خمس وسبع دقائق، بينما نجحت القياسات التجريبية الحالية في خفض هذا المتوسط إلى قرابة أربع دقائق، مع استهداف النزول بالمدة الإجمالية إلى 45 ثانية بمجرد اكتمال تطوير المنظومة. هذا التسريع يستهدف إخلاء المساحات التشغيلية في المستشفيات، وتخفيف التوتر النفسي عن المراجعين عند الوصول، وإعادة توجيه جهد الأطباء والكوادر التمريضية نحو التشخيص الفعلي وخطة العلاج بدل استنزاف الدقائق في جمع العلامات الحيوية الروتينية.
ورغم النتائج الواعدة، يواجه النموذج التجريبي تحديات هندسية دقيقة تعمل الجامعة على معالجتها تمهيدًا لتحويله إلى منتج تجاري متكامل. يبرز في مقدمة هذه العقبات عنصر الإضاءة المحيطة، إذ تعتمد خوارزميات القياس جزئيًا على الضوء المنعكس من وجه المريض، مما يجعل الإضاءة الخافتة أو الوهج الشديد مصدرًا لاضطراب القراءات الحيوية. وتعمل الفرق البحثية حاليًا على تدريب المنظومة لتتلاءم مع تفاوت درجات الإضاءة، وتتعامل بدقة مع تنوع ألوان البشرة وحالات الجلد المختلفة لضمان موثوقية القياسات عبر مختلف الفئات.
وعلى جبهة الاستجابة الميدانية، تطور الجامعة طائرة مسيرة للمساعدة الطبية صُممت للوصول إلى المواقع البعيدة وتقديم الدعم الإسعافي السريع قبل وصول فرق الطوارئ. تحمل المسيرة حقيبة إسعافات مدمجة بنظام ذكاء اصطناعي موزع على ست حجيرات وظيفية، بحيث يقيّم النظام طبيعة الإصابة ويقود المرافقين عبر خطوات تفصيلية متسلسلة للتعامل مع الحالة. الميزة المحورية في هذه المسيرة تكمن في قدرتها على العمل دون اتصال بالإنترنت، مما يوفر خط مساندة ذاتي التوجيه في البيئات المنعزلة التي تنقطع فيها التغطية، بينما تتيح المنظومة الاتصال المباشر بالطبيب متى ما توافرت الشبكة. وتتكامل هذه المنظومة مع مشروع ثالث يحمل اسم بوابة الأمان الذكية، وهو نظام يعتمد على كاميرات حرارية لفحص الطلاب في المدارس والجامعات، ورصد الارتفاعات غير الطبيعية في درجات الحرارة آليًا لتحذير الطواقم التمريضية والحد من تفشي العدوى.
هذا التحول التقني يطرح دلالات عملية لمديري المستشفيات ومسؤولي المشتريات الصحية في الخليج ومصر والمنطقة عمومًا. إن نقل الفحص الأولي إلى عتاد آلي يفرض إعادة هندسة مسارات تدفق المرضى في أقسام الطوارئ، ويغير معادلة توظيف الكوادر التمريضية عبر تحريرهم من روتين القياس اليدوي نحو الرعاية المباشرة. كما أن الاعتماد على تقنيات الرؤية الحاسوبية وقراءات الوجه يضع المرافق الصحية الإقليمية أمام ضرورة اختبار هذه الأجهزة محليًا للتأكد من ملاءمتها للبشرة المتنوعة والظروف المناخية بدقة. كذلك يفتح خيار التشغيل دون شبكة في منظومات الطائرات المسيرة أفقًا لتجاوز معضلات الإسعاف في المناطق الصحراوية والمشاريع الإنشائية البعيدة وحقول الطاقة، حيث تفشل التطبيقات السحابية المعتادة عند غياب التغطية اللاسلكية.
تختتم هذه التجارب مسارًا تسعى فيه الكليات الطبية إلى نقل كوادرها الشابة نحو تطوير حلول سريرية عملية تواجه أعباء المنظومة الصحية، غير أن الرهان الحقيقي ينتظر اختبارات الاعتماد والترخيص وسرعة النضج الهندسي لنقل هذه النماذج من قاعات المختبرات إلى بيئات العمل الحقيقية.