أتمتة الأبوة والعلاقات تفضح فجوة وادي السيليكون: نماذج ذكية مصممة لجمهور لا يشبه صناعها
عندما استعرضت ماريسا ماير، الرئيسة التنفيذية السابقة لياهو وإحدى أوائل مهندسي غوغل، تطبيقها الجديد «دازل»، رأت في توليد ثلاثة أسطر تلخص شخصية ابنتها ذات الأعوام العشرة إنجازا تقنيا يختصر الجهد الأسري. وصفت الخوارزمية الطفلة بأنها متعاطفة ومبدعة ومحبة للحيوانات، في صياغة عامة تشبه قراءة طالع تقليدية تنطبق على ملايين الأطفال. غير أن ردود الفعل الغاضبة التي واجهتها ماير كشفت شقا أعمق يتجاوز عثرة تسويقية: قادة صناعة الذكاء الاصطناعي يعيشون في عزلة طبقية تدفعهم لتصميم منتجات تفصل التقنية عن صميم التجربة الإنسانية.
هذا النمط لم يبدأ مع ماير وحدها. فقد سبقتها تصريحات صريحة لسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، حين أعلن في برنامج تلفزيوني واسع الانتشار أنه لا يتخيل تربية مولود جديد دون الاستعانة بروبوت «تشات جي بي تي». ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل اقترح لاحقا عبر منصة «إكس» ميزة في واجهات العمل تتيح إنتاج تسجيلات صوتية آلية تشرح للآباء اهتمامات أطفالهم ومواعيد مبارياتهم الكروية، وهو ما قوبل باستهجان واسع من جمهور تساءل ببساطة عن الجدوى من استبدال الحديث المباشر مع الأبناء ببرمجيات وسيطة. ورغم دفاع ماير اللاحق بأنها كانت تختبر قدرة نظامها على استرجاع صور مشاريع مدرسية منسية، إلا أنها أقرت في المقابلة ذاتها بأن تطبيقها يستهدف التخلص من العبء الذهني للتخطيط لحفلات أعياد الميلاد، وحجز أنشطة الإجازات، وحتى التنسيق بين وكيلها الذكي ووكيل زوجها. وحين سُئلت عما إذا كان هذا المستقبل الخالي من الجهد البشري يدعو للإحباط، اعترفت بوضوح بأنها لم تفكر في هذا البعد.
الخلل الفكري ذاته يمتد من دائرة الأسرة إلى شبكة العلاقات الاجتماعية بأكملها. مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، يرى أن تلبية الاحتياجات العاطفية عبر الذكاء الاصطناعي مسار حتمي ومقبول اجتماعيا، مستندا إلى أن الفرد العادي يمتلك أقل من ثلاثة أصدقاء بينما يحتاج إلى نحو خمسة عشر، ليرهن حل العزلة بتطوير معالجين نفسيين وشركاء افتراضيين. لكن استطلاعات الرأي تظهر هوة سحيقة بين هذا الطموح ورغبات الجمهور الفعلي؛ إذ تؤكد دراسة لمركز «بيو» للأبحاث أن خمسين بالمئة من البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيقلص قدرة البشر على بناء علاقات ذات مغزى، بينما لم ير سوى خمسة بالمئة أنه سيسهل بناء تلك الروابط. إنها ثقافة صناعية ترى في كل احتكاك بشري هدرا تجب معالجته، كما لو كانت تربية الأبناء والتواصل الإنساني مجرد خوارزمية إنتاجية تشبه تحسين جداول النوم أو قياس المؤشرات الحيوية.
انتقال هذه التصورات المشوهة إلى العالم العربي يفرض على فرق المنتجات ورواد الأعمال وقفة نقدية حازمة. ففي مجتمعات الخليج ومصر والمشرق العربي، حيث تشكل الروابط العائلية والامتدادات الاجتماعية ركيزة الهوية اليومية وأساس اتخاذ القرار، يفقد استيراد مفهوم «الحياة المؤتمتة» جدواه الاقتصادية والاجتماعية. إن المهندس أو مدير المنتج في الرياض أو القاهرة أو عمّان الذي ينسخ نماذج الأتمتة العاطفية والأسرية التي يروج لها وادي السيليكون يغامر ببناء حلول تبحث عن مشكلات غير موجودة، وتصطدم برفض مجتمعي فوري. التغيير الفعلي المطلوب هنا هو إعادة توجيه المهارات والاستثمارات نحو أتمتة العمليات التشغيلية، ومطابقة البيانات، وتيسير الخدمات التجارية واللوجستية، مع إبقاء حدود واضحة تحظر تسليع العلاقات الإنسانية والمسؤوليات الوالدية.
حين يعجز صانع التقنية عن إدراك الفارق بين رفع كفاءة الحوسبة وقيمة التجربة الإنسانية، تصبح أدواته عبئا يباعد بين البشر. العلاقات الإنسانية ليست خللا برمجيا يتطلب حلا هندسيا سريع التكلفة، ومحاولة حرمان النفس من مشقة التربية والتواصل المباشر تسلب الإنسان أعمق تجاربه الحياتية معنى، مهما بلغت براعة الخوارزميات.