مئة مليار دولار تحت اختبار المسيّرات: كيف تعيد المخاطر الإقليمية رسم خريطة الحوسبة في الخليج؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تواصل عواصم الخليج تشييد ما يتجاوز مئة مليار دولار من مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية دون توقف شامل للأعمال، رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على تعرض مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز لأضرار مباشرة جراء هجمات بطائرات مسيرة إيرانية، ومع استمرار الهجمات التي يشنها الحوثيون داخل الأراضي السعودية. هذا الصمود الميداني يخفي خلفه تحولا حاسما في الحسابات التشغيلية والمالية لكبرى الشركات التقنية العالمية، التي باتت تزن مكاسب التوسع السريع مقابل مخاطر جغرافية مستجدة تهدد استدامة المنطقة كمركز حوسبة دولي.
الوقائع الميدانية تفرض نفسها بعدما أصابت طائرات مسيرة إيرانية مركزين لشركة أمازون في الإمارات وألحقت أضرارا بموقع آخر في البحرين، أعقبتها ضربة ثانية لموقع بحريني إضافي في أبريل، مما أدى إلى انقطاعات كهربائية وحرائق وتعطل في الخدمات السحابية لم تتمكن أمازون من استعادتها بالكامل في البحرين وأجزاء من الإمارات حتى تحديثها في سبتمبر. الشركة أقرت باستنفاد خيارات استعادة بيانات العملاء التي لم تُنقل قبل خروج المنطقة عن الخدمة في البحرين، مؤجلة تقديم إيضاحات جديدة حتى مطلع عام 2027. يتزامن ذلك مع تصعيد سياسي تمثل في إعلان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إنشاء ما سماه سلطة بيانات الخليج الفارسي لمعاقبة الكيانات التقنية التي تتهمها طهران بمعاونة التحركات العسكرية ضدها، مهددا بحرمانها من الأراضي والتمويل والطاقة، وذلك عقب قائمة أصدرها الحرس الثوري في مارس وضمت ثماني عشرة شركة منها جي 42 الإماراتية وعمالقة تقنية أمريكيون.
المعادلة الاقتصادية للأمان لم تعد تقبل التجاهل: حماية المنشآت الحوسبية الضخمة تلتهم هوامش الربحية وتبطئ وتيرة العائدات. خبراء البنية التحتية، ومنهم المستشار طاهر غوك، يرون أن الشرق الأوسط الذي بدأ العام متقدما على أوروبا في زخم النمو دخل مرحلة الترقب، فمجالس إدارات المطورين الدوليين أصبحت أكثر حذرا في اعتماد استثمارات إضافية جديدة، وإن بقيت الحوافز القائمة من وفرة الطاقة الحديثة والوصول إلى الرقائق المتقدمة مغرية للاستمرار. في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف التأمين ارتفاعا حادا، وظهرت صعوبات في سلاسل الإمداد فاقمها إغلاق مضيق هرمز وفق تقارير متخصصة، مما جعل تكلفة التدريع الفيزيائي للمباني مكلفة ومعقدة، فمراكز البيانات تظل أهدافا مكشوفة بمساحاتها الواسعة ومواقعها المعروفة، وتزويدها بمنظومات اعتراض جوي أو بناء بعضها تحت الأرض يحول معادلتها الاستثمارية إلى عبء مالي ثقيل.
الرد التشغيلي بدأ يظهر عمليا في إعادة هندسة الجغرافيا؛ فالإمارات تدرس تعديل خطط مجمع الحوسبة المشترك مع الولايات المتحدة بقدرة خمسة غيغاوات بقيادة جي 42، بحيث يتوزع على شبكة مراكز متفرقة عبر البلاد بدلا من تركيزه في مجمع وحيد بمساحة ستة وعشرين كيلومترا مربعا في أبوظبي، لتقليل قابلية التعطيل عبر ضربة عسكرية مركزة. هذا التعديل لن يمس المرحلة الأولى المسماة ستارجيت الإمارات بقدرة غيغاوات واحد وقيمة ثلاثين مليار دولار، والتي ستسلم خزانة التابعة لـ جي 42 أول مئتي ميغاوات منها في الربع الأخير من عام 2026 بالشراكة مع أوبن إيه آي وأوراكل ونفيديا. الاستقرار يبدو مدعوما أيضا بالتزام مايكروسوفت ضخ أكثر من عشرة مليارات دولار بحلول 2030، وافتتاح منطقتها السحابية في شرق السعودية خلال نوفمبر، وتخفيف واشنطن قيود تصدير الرقائق المتقدمة للإمارات في يوليو.
هذا المشهد يفرض واقعا جديدا على مديري التقنية وقادة الأعمال في الخليج ومصر والمشرق العربي. بالنسبة للمؤسسات المالية والحكومية الخليجية، سقط الرهان على بقاء البيانات داخل مركز حوسبة محلي منفرد، وتتحول الأولوية الآن نحو إلزامية التوزيع الجغرافي وحفظ النسخ الاحتياطية وتأمين مسارات اتصال بديلة، رغم التحدي التنظيمي الصارم الذي تفرضه قوانين السيادة الرقمية التي تمنع إخراج البيانات الحساسة خارج الحدود. وفي المقابل، يتحمل مستخدمو الحوسبة السحابية زيادات محتملة في أسعار الخدمات المحلية بفعل تكاليف التأمين والتدريع الإضافية. أما في مصر، فإن هذا الضغط الجغرافي يفتح نافذة لاقتناص حصة سوقية عبر تقديم الأراضي المصرية كبديل حوسبي مساند، وهو ما تجسد في تخصيص حسن علام للبنية الرقمية وشركة إيه 15 رأسمال مبدئي بقيمة 400 مليون دولار للاستثمار في مراكز البيانات.
التحول الجذري في بيئة الحوسبة الإقليمية يبرهن على أن امتلاك الطاقة والسيولة لم يعد كافيا لبناء سيادة رقمية مستقرة ما لم يقترن بهندسة صمود مرنة تستوعب صدمات الجغرافيا؛ والشركات التي تؤسس منصاتها اليوم مطالبة بإعادة تدقيق خطط استمرارية الأعمال قبل أن تصطدم باختبار ميداني جديد.