تخطَّ إلى المحتوى

عوائد الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة تغطي تكاليفها وشبكات الكهرباء عاجزة عن الملاحقة

شارك المقال
عوائد الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة تغطي تكاليفها وشبكات الكهرباء عاجزة عن الملاحقة
الصورة: Sam LaRussa / Unsplash

أظهر فحصنا لبيانات تقرير «تمكين الممكن» الصادر عن شركة «أدنوك» وذراعها الاستثمارية «إكس آر جي» بالشراكة مع «مايكروسوفت»، أن منظومة الطاقة العالمية حسمت جدوى الاستثمار التقني قبل أن تؤمن بنيتها التحتية الحاملة له. استطلع التقرير في نسخته السنوية الثالثة آراء نحو 400 من كبار التنفيذيين في قطاعي الطاقة والتمويل حول العالم تحت عنوان «مرونة الطاقة في عصر الذكاء»، فكشف أن 89 بالمئة من المؤسسات زادت إنفاقها على حلول الذكاء الاصطناعي خلال العام الأخير، في حين أكد 63 بالمئة من القيادات أن العوائد المحققة من هذه الاستثمارات بدأت تغطي التكاليف بالكامل أو تتجاوزها، بينما أفاد واحد بالمئة فقط بعدم استخدام التقنية إطلاقًا، ما يبرهن على اتساع رقعة التبني الميداني عبر قطاع الطاقة الدولي.

هذا التحول المالي يرتكز على قفزة ميدانية صريحة في طبيعة الأدوات المعتمدة؛ إذ تضاعف انتشار تدفقات العمل القائمة على الوكلاء الأذكياء القادرين على اتخاذ القرارات بتدخل بشري محدود ليصل إلى 33 بالمئة مقارنة بنحو 15 بالمئة في العام السابق. وتراجعت المشاريع التجريبية المعزولة إلى 15 بالمئة بعد أن كانت تشكل 35 بالمئة، ما يؤكد انتقال خوارزميات اتخاذ القرار إلى خطوط التشغيل الفعلي. كما امتد هذا المسار إلى العمليات المادية المباشرة، حيث أفاد 60 بالمئة من مسؤولي القطاع بأنهم يختبرون ميدانيًا أو ينشرون بالفعل روبوتات وأنظمة ذاتية لإجراء مهام فحص البنية التحتية ومباشرة الأعمال الشاقة وعالية الخطورة.

معيار النجاح لم يعد يقاس بخفض النفقات المباشرة، بل بقدرة الأنظمة على حماية استقرار الإمدادات وتفادي الانقطاعات. هذا التقييم يتطابق مع ما دونه الدكتور سلطان الجابر، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة «أدنوك» ورئيس مجلس إدارة «إكس آر جي» ووزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات، بتأكيده أن الاستثمار تحول إلى قيمة تجارية ملموسة، وأن المرونة والاعتمادية والقدرة على التكيف باتت تزن في الحسابات بقدر وزن كفاءة التشغيل. فقد حدد 39 بالمئة من قادة القطاع استقرار الإمدادات وموثوقيتها بوصفه المساهمة الأهم للذكاء الاصطناعي، صعودًا من 26 بالمئة في عام 2025، بينما تراجعت مكاسب خفض التكاليف كأولوية أولى إلى 13 بالمئة فقط، وتراجعت دقة البيانات والتنبؤ إلى 19 بالمئة، في وقت يرى فيه 86 بالمئة من المشاركين أن مشهد إمدادات الطاقة العالمية أصبح أكثر تعقيدًا وأصعب في التوقع مقارنة بالسنوات الخمس الماضية.

غير أن هذا التوسع المتسارع يصطدم باختناق حقيقي في الشبكات القائمة؛ إذ كشفت النتائج أن 52 بالمئة فقط من القادة يثقون في قدرة الشبكات الكهربائية الحالية على تلبية الطلب المتصاعد الذي يولده الذكاء الاصطناعي نفسه، وهي نسبة جامدة لم تسجل أي تحسن عن مستويات عام 2025. يتزامن هذا القلق مع توقع 74 بالمئة من المشاركين ارتفاع استهلاك الكهرباء بحلول عام 2030 نتيجة تشغيل مراكز البيانات والنماذج الحسابية، ما حصر أولويات سد هذه الفجوة في مسارين استثماريين: تحديث شبكات التوزيع وتقنيات الشبكات الذكية التي نالت تأييد 67 بالمئة من المشاركين، تليها تقنيات تخزين الطاقة بنسبة 42 بالمئة.

الفجوة في جاهزية الشبكات تكشف تباينًا جغرافيًا حادًا يعيد رسم موازين القوى بين الأسواق الناشئة والمتقدمة. ففي الوقت الذي أبدى فيه 74 بالمئة من القادة في البرازيل و70 بالمئة في الهند ثقتهم بقدرة شبكاتهم الوطنية على مجاراة أحمال الحوسبة، انحدرت هذه الثقة إلى 40 بالمئة فقط في الولايات المتحدة و38 بالمئة في المملكة المتحدة. يضع هذا التباين مسألة الحوكمة أمام اختبار سيادي ملح؛ حيث وضع قادة الصناعة أمن الأنظمة وموثوقيتها التشغيلية على رأس أولويات الأطر التنظيمية، متقدمة على شفافية القرارات، والمعايير الفنية المشتركة، وحماية السيادة الوطنية على موارد الطاقة، قبيل انطلاق الدورة الرابعة من مجلس «إناكت» ومؤتمر «أديبك 2026» في أبوظبي لبحث التوازن بين الطموح الرقمي وواقع الشبكات.

هذا الانقسام بين عوائد الوكلاء وعجز المحطات يفرض تغييرًا مباشرًا على أولويات العمل في منطقتنا. بالنسبة لفرق الهندسة والتشغيل في الخليج، تنتقل المهارة المطلوبة من تدريب واجهات المحادثة إلى هندسة الأنظمة القادرة على إدارة التدفقات اللحظية وموازنة الأحمال، وهي المساهمة التي رآها 57 بالمئة من المشاركين الأكبر أثرًا في مسار تحول الطاقة، إلى جانب تسريع الإنتاج المستدام وفق رؤية 71 بالمئة من القيادات. كما أن صانع القرار الإقليمي الذي يوجه الاستثمارات نحو مراكز البيانات يدرك الآن أن الربط بالشبكة الكهربائية وتأمين قدرات النقل هو القيد الفعلي على النمو وليس توفير الرقائق. أما في بيئات العمل الأقل وفرة في الطاقة بمصر وبلاد الشام، فإن الدرس المستفاد يلزم المنشآت بتوجيه السيولة نحو ترشيد الاستهلاك وحلول التخزين الذاتي، قبل ربط خطوط الإنتاج بوكلاء برمجيات قد تفوق متطلبات طاقتهم ما تتحمله شبكات التوزيع المحلية.

تؤكد هذه البيانات أن سباق الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة تخطى مرحلة الوعود النظرية ليدخل مرحلة التدقيق الهندسي الصارم. ومع ارتقاء التقنية لتصبح ضمن أولويتين رئيسيتين لدى 62 بالمئة من الشركات بعد أن كانت عند 42 بالمئة العام الماضي، فإن الاختبار القادم لا يتعلق ببرهنة العائد المالي، بل بضمان ألا تسبق الخوارزميات قدرة المحطات على إبقائها قيد الحياة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد