تجاوز مستهدف الخمس سنوات بعامين: دبي ترفع سقف رهانها إلى ألف شركة ذكاء اصطناعي
لم ينتظر مجمع دبي للذكاء الاصطناعي اكتمال جدوله الزمني الممتد لخمس سنوات ليعلن نجاح مرحلته التأسيسية؛ فقد تجاوزت وتيرة استقطاب الشركات أهدافها المبدئية قبل موعدها بعامين كاملين. وخلال افتتاح الدورة الثالثة من «مهرجان دبي للذكاء الاصطناعي» في مركز دبي التجاري العالمي، اعتمد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم مستهدفات استراتيجية جديدة تقضي بجذب أكثر من ألف شركة ذكاء اصطناعي وتوليد ما يزيد على خمسة آلاف وظيفة عالية المهارة بحلول عام 2030. ينقل هذا التوسع تجربة الحواضن التقنية في المنطقة من نماذج الدعم التقليدية نحو تكتل مؤسسي متكامل تديره البنية المالية والتنظيمية لمركز دبي المالي العالمي.
تستند هذه القفزة إلى حصيلة رقمية دقيقة قدّمها عارف أميري، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، بحضور عيسى كاظم، محافظ المركز. فمنذ إطلاق المجمع في مايو 2024، استقطب الموقع أكثر من 500 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، نجحت مجتمعة في جمع استثمارات تجاوزت مليار درهم إماراتي من صناديق الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء، إلى جانب توفير أكثر من ألفي وظيفة تقنية متخصصة. هذه النتائج التي تحققت قبل عامين من موعدها المحدد لعام 2028، منحت صناع القرار أساسًا متينًا لمضاعفة المستهدفات وربطها بمشروعات البنية التحتية الملموسة.
يتجسد هذا التحول المؤسسي في المخططات الإنشائية لمبنى مجمع دبي للذكاء الاصطناعي الجديد ضمن توسعة منطقة زعبيل التابعة لمركز دبي المالي العالمي. يمتد المبنى، المصمم خصيصًا لهذا الغرض، على مساحة مئة ألف قدم مربعة، ليضم بنية تحتية تقنية تشمل أنظمة حوسبة مجهزة لمعالجات الرسومات، ومناطق تطوير آمنة، وبيئات متطورة للتوائم الرقمية، فضلًا عن أنظمة إدارة مبان تعمل بالذكاء الاصطناعي. كما توفر الطوابق المعيارية مختبرات جاهزة تتيح للجهات الحكومية والشركات الخاصة اختبار الحلول البرمجية وتدقيقها في بيئة تجريبية قبل نشرها في السوق، إلى جانب مركز تجارب يستعرض التطبيقات العملية أمام المستثمرين والوفود والطلبة.
تعكس جولة الافتتاح طبيعة النسيج التقني المستهدف؛ إذ شملت مؤسسات أكاديمية مثل جامعة دبي الطبية التي توظف الخوارزميات في التعليم السريري والتشخيص، وشركات متخصصة مثل «إليفن لابس» لتطوير تقنيات الصوت والصورة بأكثر من 90 لغة، و«لينكربوت» المتخصصة في الأيدي الروبوتية الدقيقة وأنظمة التحكم المتقدمة، بالتوازي مع أجنحة الحوسبة السحابية لشركتي «أمازون ويب سيرفيسز» و«علي بابا كلاود». هذا التنوع، الذي تابعه الشيخ حمدان برفقة عمر سلطان العلماء وهلال سعيد المري، يترجم حضور أكثر من عشرين ألف مشارك من مئة دولة و500 مستثمر ضمن فعاليات المهرجان.
بالنسبة إلى القيادات التقنية ورواد الأعمال في الخليج ومصر والمشرق العربي، يحمل هذا التوسع دلالات عملية تتجاوز أرقام الاحتفاء الرسمي؛ فحين فحصنا تفاصيل التحول، وجدنا أن تركيز الشركات الناشئة ورؤوس الأموال الجريئة حول مرافق حوسبة مجهزة بالمعالجات ومختبرات تحقق معتمدة يعيد ترتيب معادلة المنافسة في السوق الإقليمية. باتت الشركات البرمجية الصاعدة أمام واقع جديد يفرض منافسة كيانات تعمل داخل بيئة مخفضة التكاليف التشغيلية وتحظى بغطاء تنظيمي مباشر. كما أن استهداف خمسة آلاف وظيفة متخصصة في دبي بحلول 2030 سيضاعف استقطاب الكفاءات الهندسية من أسواق الرياض والقاهرة وبيروت وعمان، مما يفرض على أرباب العمل في تلك العواصم مراجعة هياكل الأجور وتطوير مهارات فرقهم لمواكبة متطلبات البنية المتقدمة.
إن إعادة صياغة الحواضن لتصبح منصات تشغيلية واختبارية داخل المراكز المالية تضع حدًا لمرحلة التجارب المعزولة. ومع اتجاه المجمع لدمج الجهات التنظيمية والجامعات والشركات العالمية الكبرى في موقع واحد، يصبح المعيار الحقيقي للنجاح مرتبطًا بقدرة هذه التكتلات على تحويل استثمارات المليار درهم والشركات الألف إلى قيمة اقتصادية مستدامة، تلبي حاجة المؤسسات إلى حلول موثوقة ومحكومة تضمن الأمان المؤسسي واستمرارية النمو.