استقلالية المعلم تسبق الخوارزمية: فيتنام ترهن دمج الذكاء الاصطناعي بحوكمة القيادة المدرسية
يواجه الاندفاع المتسارع نحو رقمنة الفصول الدراسية وتزويد المدارس بأدوات التوليد الآلي سؤالاً بنيوياً حول من يقود العملية التعليمية فعلياً. ففي المؤتمر الإقليمي لنقابات المعلمين في سنغافورة، لم تكن المداخلة الفيتنامية مجرد احتفاء بالبرمجيات الحديثة، بل جاءت تحذيراً تنظيمياً صريحاً: دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يفقد جدواه إذا انتهى بتجريد المعلم من استقلاليته المهنية وقدرته على اتخاذ القرار التربوي داخل فصله.
خلال أعمال المؤتمر الذي نظمته نقابة المعلمين في سنغافورة بمشاركة وفود تربوية من دول رابطة جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية، فحصت قراءتنا للورقة الفيتنامية واقع التعليم العام؛ إذ طرحت الخبيرة «كوي» نموذجاً للقيادة المدرسية من أربع طبقات يربط بين أسلوب الإدارة وآليات الحوكمة ومجالات دمج التقنية ومخرجاتها العملية. المادة المعروضة لم تنكر المكاسب الميدانية للتقنية، بل رصدت قدرتها على تفريد مسارات الشرح للطلاب، وتشخيص صعوبات التعلم في وقت مبكر، وتخفيف الأعباء الإدارية والورقية المتراكمة على كاهل المدرسين، إلى جانب تحسين الكفاءة التشغيلية للمدارس.
غير أن القراءة الفيتنامية وضعت يدها على كلفة التبعية الرقمية غير المحسوبة؛ إذ وثقت الورقة مخاطر حقيقية تتقدمها فجوة البنية التحتية، وغياب العدالة في الوصول إلى الأدوات، والتحيز الخوارزمي، وتهديدات خصوصية البيانات الطلابية، فضلاً عن خطورة الاتكال الأعمى على الآلة. الدمج الفعال للتقنية يبدأ من حوكمة الإدارة المدرسية ولا ينتهي عند حدود شراء الخوارزمية. وهو ما شدد عليه الدكتور نغوين نغوك آن، رئيس نقابة التعليم الفيتنامية، حين أكد أن تطوير التعليم لا تحسمه التقنيات بذاتها، بل يرتهن حصراً بجاهزية المعلمين وثقتهم وقدرتهم المهنية على ضبط مسار التعليم وتوجيهه.
البيان الختامي للمؤتمر، الذي اختار شعار الإبحار نحو المستقبل بقيادة المعلمين مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي كقوة دفع، أقر توصيات تلزم النقابات بصياغة خطط تنفيذية وطنية تصون العلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب بوصفها الركيزة غير القابلة للأتمتة. وجاء التأكيد المشترك ليرفض تحويل المعلم إلى مجرد مراقب لواجهات برمجية مغلقة، معتبراً أن تعزيز الكفاءة الرقمية وبناء بيئة تعليمية عادلة وأخلاقية هما خط الدفاع الحقيقي أمام تغول الحلول التقنية المستوردة.
هذا النقاش يكتسب وزنه المباشر حين ننقله إلى قاعات التدريس في الخليج ومصر والشام، حيث تتسابق خطط التطوير لشراء تراخيص المنصات الذكية وتوزيع الأجهزة اللوحية. وإذا دققت في المشهد الميداني، ستلاحظ أن التحدي الفعلي الذي يواجه المنظومة لا يكمن في ندرة البرمجيات، بل في الفراغ التنظيمي الذي يعزل الكادر التدريسي عن رسم مسار الأداة وفحص مخرجاتها. الفاتورة التي تدفعها المدارس عند تهميش سلطة المعلم المهنية تتجاوز دائماً كلفة التراخيص البرمجية ذاتها. والقرار المطلوب اليوم في المنطقة لا يرتبط بإضافة شاشات جديدة، بل ببناء أطر حوكمة محلية تمنح المعلم حق الفيتو على قرارات الخوارزمية، وتمنع اتساع الفجوة المعرفية بين المدارس المجهزة رقمياً وتلك التي تصارع لتأمين بنيتها التحتية الأساسية.
الخلاصة المستخلصة من المؤتمر الآسيوي ترسم حداً فاصلاً أمام واضعي السياسات التعليمية: التكنولوجيا وسيلة دفع ممتازة، لكنها تفقد اتجاهها وبوصلتها تماماً إذا انتُزعت دفة التوجيه من يد المعلم. وكل استثمار مدرسي في أدوات الذكاء الاصطناعي لا يضع تمكين المعلم واستقلاليته في صدارته، ينتهي حتماً إلى هدر مالي وإرباك داخل قاعات الدراسة.