تخطَّ إلى المحتوى

«هندسة الطبيعة بالذكاء الاصطناعي: هل تحمي النماذج الحيوية التنوع البيئي أم تشتت جهود الحفظ؟»

شارك المقال
«هندسة الطبيعة بالذكاء الاصطناعي: هل تحمي النماذج الحيوية التنوع البيئي أم تشتت جهود الحفظ؟»
الصورة: Ousa Chea / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

لم يعد الحديث عن إحياء الكائنات المنقرضة مقتصرًا على صفحات الخيال العلمي، بل تحول إلى رهان تبنيه شركات ناشئة تقنية كبرى تجاوزت قيمتها حاجز المليار دولار. نرى اليوم كيف تتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي حدود البرمجيات والأنظمة الرقمية المعتادة لتلتقي بالبيولوجيا التركيبية وعلم الوراثة، مما يفتح مسارًا جديدًا لإعادة هندسة الأنظمة الحية واختبار إمكانات استعادة التنوع البيولوجي المفقود. تتجسد هذه التحولات في نموذج عمل شركة «كولوسال بايوساينسز» (Colossal Biosciences)، التي توظف تقنيات التعلم الآلي والبيولوجيا الحاسوبية لفحص البيانات الجينية وبناء نماذج دقيقة للأنظمة الحيوية، ساعية لتحويل فكرة استرجاع الأنواع البائدة إلى أداة لحفظ الطبيعة.

الذكاء الاصطناعي يغادر النظم الرقمية ليعيد صياغة العالم الطبيعي، حيث يعتمد الباحثون على الخوارزميات المتقدمة لتسريع الاكتشافات العلمية وتحليل الشيفرات الوراثية المعقدة بمستويات غير مسبوقة. وقد برز هذا التوجه من خلال مسيرة بن لام (Ben Lamm)، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة كولوسال، وهو رائد أعمال بنى على مدار أكثر من عقدين شركات في الذكاء الاصطناعي للمؤسسات والبنى التحتية الحيوية، من بينها «هايبرجاينت» و«كونفرسابيل» و«تشاوتيك مون»، التي استحوذت عليها لاحقًا جهات استثمارية وتقنية مثل «ترايف كابيتال» و«لايف بيرسون» و«أكسنتشر». ينقل لام هذه الخبرة المتراكمة نحو منصات المؤتمرات المتخصصة، حيث يناقش في جلسة مرتقبة بعنوان «هل يمكننا هندسة عودة الطبيعة؟» ضمن فعاليات «تك كرانش ديسرابت 2026» في سان فرانسيسكو، جدلية استخدام التقنية لتعديل الطبيعة مقابل الأولوية لحماية النظم البيئية القائمة.

يثير هذا التقاطع المتسارع بين علوم الحاسوب والبيولوجيا انقسامًا حقيقيًا في الأوساط العلمية والتنظيمية: هل تمثل هندسة الطبيعة اختراقًا بيئيًا أم مجرد تشتيت عن حماية الموائل الحية؟ فالقدرة على تحليل وتعديل السجلات الجينية لا تجيب وحدها عن السؤال الأخلاقي حول مدى مشروعية التدخل التقني في مسار التطور الطبيعي، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن الأماكن والأنواع التي تطبق عليها هذه الأدوات. ومع امتداد تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو علوم المناخ والطب والحفظ البيئي، تتسع دائرة التساؤل لتشمل معايير بناء المرونة المناخية وإدارة المخاطر الحيوية.

بالنسبة للقارئ والمتخصص في الخليج ومصر وبلاد الشام، يفرض هذا التطور إعادة تقييم واضحة لأولويات الاستثمار في التقنيات العميقة. تواجه المراكز البحثية وصناديق رأس المال الجريء في المنطقة، التي تركز جهودها على برامج الجينوم ومشاريع الاستدامة ومكافحة التصحر، خيارًا استراتيجيًا حاسمًا: توجيه القدرات الحاسوبية نحو تعزيز مرونة النظم البيئية المحلية وسلالاتها الزراعية والحيوانية المتكيفة مع المناخ الجاف، بدل الانجراف وراء مشاريع الإحياء الجيني المكلفة ذات المردود البيئي غير المؤكد. كما يتطلب هذا التحول إكساب فرق العمل مهارات هجينة تجمع بين تحليل البيانات الحيوية بالذكاء الاصطناعي وفهم الضوابط الحيوية، لتحويل الخوارزميات إلى أدوات تدعم الأمن البيئي الفعلي.

يبقى الرهان الحقيقي للتقنية الحيوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي معلقًا بقدرتها على تقديم حلول ملموسة للتحديات البيئية الراهنة. إن انتقال النماذج الحسابية من إدارة العمليات التجارية إلى التحكم في المعطيات الحيوية يضع مجتمعات التقنية العالمية أمام مسؤولية تتجاوز العناوين البراقة، لتستقر عند حدود الأثر الواقعي الذي تتركه هذه الأدوات في حماية كوكب الأرض.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد