«فخ التجميل الرقمي في المستشفيات: لماذا تعجز خوارزميات العناية الفائقة عن معالجة فوضى السجلات الطبية؟»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
في كل مؤتمر صحي اليوم، تتردد عبارة الذكاء الاصطناعي حتى تكاد تفقد قيمتها من فرط التكرار، إذ نرى إدارات المستشفيات تتسابق إلى طلب لوحات تحليلية ونماذج ذكية وعروض تقديمية تزخر بشرائح التعلم العميق. غير أن هذا الاندفاع المتسارع يتجاوز عمداً السؤال الجوهري الذي يحدد مصير أي تقنية: على أي تربة معلوماتية ستعمل تلك الخوارزميات؟ إن واقع إدارة البيانات في العديد من المنشآت الصحية يكشف فجوة حادة بين الطموحات المعلنة والبنية التحتية القائمة، حيث لا تزال أقسام طبية أسيرة المعاملات الورقية، بينما تقبع أنظمة أخرى في تصنيف «الخزائن الرقمية» التي تكدس الملفات دون قراءتها أو ربطها بسياق سريري مفيد.
تتفاقم هذه الأزمة بسبب غياب المعايير الموحدة لإدخال المعلومات، إذ يسجل كل ممارس صحي التشخيص بطريقته الخاصة، وتُدوّن القياسات الحيوية بصيغ متضاربة تجعل من المستحيل على أي نظام حاسوبي فهمها أو استخلاص أنماط موثوقة منها لاحقاً. والأخطر من ذلك هو تفشي ثقافة احتكار البيانات داخل المنشآت، فبدلاً من أن تكون المعلومة الطبية سجلاً حياً يرافق المريض في مسار علاجه، تُحتجز داخل جزر منعزلة تتبع قسماً أو جهة بعينها. وتترتب على هذا التمزق كلفة سريرية ومالية باهظة، إذ يضطر الأطباء إلى إعادة الفحوصات وتكرار الأشعة مع كل انتقال للمريض بين مستشفى وآخر، مما يعطل التدخل العلاجي ويهدر الموارد ويعرض صحة المرضى لمخاطر كان يمكن تلافيها لو عوملت البيانات كأصل استراتيجي متكامل.
يظهر هذا التباين بوضوح في أقسام العناية المركزة، حيث يُنتج المريض الواحد آلاف النقاط البيانية يومياً من قياسات الضغط والأكسجين والجرعات الدوائية ونتائج التحاليل المتبدلة على مدار الساعة. وهذه الثروة الرقمية الهائلة، التي يُفترض أن تمكّن خوارزميات التنبؤ من رصد التدهور الصحي قبل وقوعه بساعات، تتبخر قيمتها الفعلية حين تُدوّن يدوياً في خانات متفرقة، أو تُحبس في أجهزة طبية لا تتواصل فيما بينها. إن أذكى خوارزمية في العالم لن تصنع معجزة من بيانات مبعثرة، والإنفاق على النماذج دون تأسيس بنيتها التحتية ليس سوى تجميل رقمي وبناء لقصر على الرمال ينهار عند أول اختبار حقيقي. وتكمن الخطورة الكبرى في أن الذكاء الاصطناعي المبني على مدخلات رديئة يمنح القرارات الطبية الخاطئة ثوباً زائفاً من الثقة الرقمية، فتُتخذ قرارات علاجية مضللة لمجرد أن الشاشة أوصت بها، بينما غُذيت الشاشة ببيانات مشوهة.
يفرض هذا الواقع تصحيحاً هيكلياً للمسار يبدأ من إرساء حوكمة صارمة للمعلومات الصحية، تحدد مسؤوليات الملكية والتدقيق والمحاسبة عند نقطة توليد البيانات بدلاً من انتظار تراكمها، مع توحيد المصطلحات السريرية. ويتطلب التحول الحقيقي الانتقال إلى تشغيل بيني يفكك عزلة الأنظمة، وهو المسار الذي نراه يتشكل في المملكة العربية السعودية عبر منصة «نفيس» لتبادل المعلومات الصحية المستندة إلى معيار FHIR الدولي، إلى جانب أطر الحوكمة والأخلاقيات الصادرة عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» والمجلس المركزي لاعتماد المنشآت الصحية «سباهي». غير أن النجاح مرهون بتبني المؤسسات لهذه المعايير ممارسةً تشغيلية لا مجرد امتثال شكلي على الورق.
بالنسبة إلى القيادات الصحية ومديري التقنية في المستشفيات ومراكز الرعاية بالخليج ومصر، يتغير منطق الإنفاق جذرياً؛ إذ تصبح الأولوية الملحة هي توجيه الميزانيات نحو هندسة البيانات النظيفة وتوحيد السجلات وربط الأجهزة الطبية، بدلاً من شراء برمجيات جاهزة فوق قواعد بيانات مفككة. كما يفرض هذا التحول ظهور تخصص مهني جديد لم يعد ترفاً، وهو «الطبيب المعلوماتي» الذي يجمع بين الممارسة الإكلينيكية وعلم البيانات لردم الهوة بين مهندسي البرمجيات وسرير المريض. واعلم أن القرار الذي يتعين على المؤسسات اتخاذه اليوم هو التوقف عن معاملة التقنية كواجهة للمباهاة، والتركيز على نظافة الأصل الاستراتيجي؛ فالذكاء الاصطناعي ليس عصا سحرية ترتب الفوضى، بل هو مرآة عاكسة، إن كانت البيانات نقية منح دقة تنبؤية تحمي حياة المريض، وإن كانت رديئة ضخم الخطأ وألبسه غطاء علمياً زائفاً.