تخطَّ إلى المحتوى

محاكاة قلوب الأطفال في ثوان معدودة: المصادر المفتوحة تكسر قيود جراحة العيوب الخلقية

شارك المقال
محاكاة قلوب الأطفال في ثوان معدودة: المصادر المفتوحة تكسر قيود جراحة العيوب الخلقية
الصورة: Piron Guillaume / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تولد نسبة تقارب واحدا بالمئة من المواليد الأحياء مصابة بعيوب خلقية في القلب، وهي حالات تتسم بتباين تشريحي واسع يجعل كل حالة فريدة بذاتها. واجه جراحو قلب الأطفال تاريخيا معضلة بنيوية تتلخص في اضطرارهم إلى معالجة تشريح معقد واستثنائي باستخدام أجهزة ودعامات جاهزة مصممة وفق قياسات نمطية مسبقة. في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، قاد الدكتور ماثيو جولي، وهو طبيب قلب وباحث في المستشفى، مسارا يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لبناء نماذج تشريحية ثلاثية الأبعاد لقلوب الأطفال خلال ثوان معدودة، بعد أن كان تدقيق هذه البيانات يتطلب نحو أربع ساعات من العمل اليدوي لباحث متخصص.

تعتمد هذه المنظومة على إطار العمل الطبي المفتوح MONAI، الذي شاركت إنفيديا في تأسيسه، إلى جانب حزم برمجية مفتوحة متخصصة مثل SlicerHeart، وهي إضافة مطورة على منصة 3D Slicer لمعالجة الصور الطبية ثلاثية الأبعاد وتحليلها. وعبر توظيف أدوات مثل MONAI Label ونموذج Auto3DSeg، دُربت شبكات التجزئة العصبية على أزواج من الصور والنماذج السابقة لمطابقة دقة الخبراء البشريين. تحويل وقت استخراج النماذج من أربع ساعات إلى بضع ثوان نقل هذه التقنية من خانة الأبحاث الأكاديمية إلى معيار رعاية سريري يومي، حيث يستفيد الجراحون من صور الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية ثلاثية الأبعاد لبناء مجسمات رقمية ومقارنة وضع الصمامات البديلة ودراسة إجهاد الجدران القلبية قبل فتح غرف العمليات أو القسطرة. وقد أثبتت هذه النمذجة جدواها عمليا في تصحيح تشوهات معقدة، مثل عيوب الحاجز البطيني، ونجحت في توجيه جراحة طفل خضع سابقا لمحاولتين فاشلتين عجزت خلالهما الوسائل التقليدية عن تحديد موضع الخلل بدقة.

لا يتوقف الطموح الطبي عند حدود التصور البصري، بل يتجاوزه إلى اختبار سلوك الأجهزة داخل الأنسجة الحية مسبقا عبر محركات المحاكاة الفيزيائية. يختبر الفريق في مختبر IDEA التابع لمركز مورغان للأبحاث والابتكار محرك Newton، وهو محرك فيزياء مفتوح المصدر مستند إلى مكتبة NVIDIA Warp لتشغيل المحاكاة على وحدات معالجة الرسوميات. كان هذا المحرك مخصصا في الأصل لتدريب الروبوتات الذكية، لكن دمجه في أدوات التحليل الطبي يسمح بفهم الخواص الميكانيكية الحيوية للأنسجة وسلوك أجهزة إغلاق الثقوب وصمامات القسطرة. هذا التسريع يخفض زمن محاكاة التدخلات القلبية من ليلة كاملة أو أربع ساعات إلى ما يقارب الزمن الفعلي، مما يتيح للأطباء مقارنة خيارات علاجية متعددة واتخاذ قرارات علاجية في اليوم نفسه. ويمتد التطوير لربط هذه النماذج ببيئات التوائم الرقمية عبر معيار OpenUSD، لدمج تقنيات الواقع الافتراضي ونماذج الرؤية واللغة، بما يمكن الجراحين من استجواب التشريح القلبي والتفاعل معه استباقيا.

يكتسب هذا التحول بعدا اقتصاديا بالغ الأهمية، إذ يعيش في الولايات المتحدة قرابة 2.4 مليون شخص مصابين بعيوب قلبية خلقية، وهي فئة متباينة تشريحيا وقليلة عدديا مقارنة بأمراض البالغين، مما يجعلها غير جاذبة للاستثمارات التجارية التقليدية لشركات الأجهزة الطبية التي تفضل الأسواق الواسعة ذات الحلول المعيارية. يوضح جولي أن كسر هذه القيود الاقتصادية لم يكن ممكنا إلا عبر المصادر المفتوحة، حيث تتعاون مستشفيات أطفال رائدة مثل بوسطن، التي تدعم النمذجة فيها أكثر من نصف جراحات القلب بنحو 500 حالة سنويا، إلى جانب ستانفورد ومستشفى فيلادلفيا الذي يتوقع إنجاز 200 حالة هذا العام، لتأسيس تحالف وطني يضم أكثر من عشرين مستشفى تشارك البنى التحتية البرمجية دون ارتهان لشركة تجارية احتكارية.

على مستوى المستشفيات والمراكز القلبية المتخصصة في الخليج ومصر والأردن، يحمل هذا التحول دلالة تشغيلية ومالية مباشرة. إن كبرى تحديات جراحة قلب الأطفال في مراكزنا الإقليمية كانت تدور حول ارتفاع تكلفة تراخيص المنظومات البرمجية المغلقة واحتكار مطوري الأجهزة لبرمجيات التخطيط الجراحي. يوضح هذا النموذج أن الاستثمار الأكثر كفاءة لم يعد توجيه ميزانيات ضخمة نحو حلول احتكارية تفتقر إلى المرونة اللازمة للتشريح المعقد، بل بناء كفاءات سريرية وهندسية تجمع بين تخصصات الهندسة الطبية الحيوية ومهارات البرمجة مفتوحة المصدر وتسريع الحوسبة الرسومية محليا. تستطيع أقسام القسطرة وجراحة القلب في المنطقة تبني أطر مثل MONAI وSlicerHeart لبناء حلول تشخيصية مخصصة لمرضاها، معتمدة على بياناتها السريرية الذاتية ودون انتظار مبادرات الشركات العالمية التي غالبا ما تتجاهل الحالات النادرة لضعف مردودها التجاري.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد