«من انسداد الأغشية إلى كفاءة الطاقة: كيف تعيد النماذج التنبؤية هندسة تحلية المياه في السعودية؟»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
مع تسارع وتيرة الطلب على المياه العذبة في المملكة العربية السعودية، التي تتصدر قائمة أكبر منتجي المياه المحلاة عالمياً، لم يعد الرهان الهندسي محصوراً في التوسعات الإنشائية أو استيراد العتاد الميكانيكي. ففي يوليو 2026، وقعت الهيئة السعودية للمياه صفقة بارزة مع شركة «إنيرجي ريكفري» الأميركية لمشروع يُتوقع أن يساهم بمبلغ 137 مليون ريال سعودي، أي نحو 36.54 مليون دولار، في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول عام 2033. غير أن التحول التقني الأعمق يتجاوز العقود التقليدية إلى دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي داخل مفاصل الدورة التشغيلية للمياه بأكملها.
هذا التوجه لم يأت من فراغ، إذ وثقه تقرير أصدرته الهيئة السعودية للمياه عام 2025 تحت عنوان «تطبيقات الذكاء الاصطناعي في صناعة التحلية»، مؤكداً أن دمج هذه النماذج يشكل خطوة حيوية لضمان استدامة إمدادات مياه الشرب للأجيال القادمة. ولم يتوقف نطاق التقرير عند حدود الوحدات الإنتاجية المنفصلة، بل امتد ليشمل سلسلة القيمة المائية بأكملها، بدءاً من استكشاف المصادر وإدارة الموارد المائية، مروراً بمراحل المعالجة والتنقية، وصولاً إلى شبكات التوزيع وتجربة المستفيد النهائي.
في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست»، تكشف المشاريع التجريبية عن مؤشرات واعدة تتجاوز التنظير الأكاديمي. وتوضح نجاة أمين، الباحثة في مرحلة الدكتوراه في علوم وهندسة البيئة بالجامعة، أن القطاع يعيش لحظة انتقالية حقيقية؛ فقد انتقلت النماذج من الوعود النظرية إلى إثبات قدرة خوارزميات التعلم الآلي على التنبؤ بسلوك الأغشية، واكتشاف تراكم الشوائب والانسداد في مراحل مبكرة، وضبط المتغيرات التشغيلية بدقة قياسية تخفض الهدر الحراري والكهربائي. وتؤكد الباحثة أن المشهد الراهن لا يزال متأرجحاً بين النماذج المخبرية المعتمدة والتجارب الميدانية الخاصة بكل موقع، قبل أن يتحول إلى تطبيق روتيني شامل عبر المصانع.
المؤشرات الرقمية القادمة من الميدان التشغيلي تمنح هذه الأطروحة وزناً اقتصادياً حاسماً. ففي إحدى شركات التحلية بمدينة جدة، نجحت أنظمة المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي في تقليص استهلاك الطاقة بنسبة 7 في المئة، وخفض استخدام الكيماويات المعالجة بنسبة 15 في المئة، مع رفع إنتاجية المياه العذبة بنسبة 8 في المئة. وتكتسب هذه النسب أهمية مضاعفة في قطاع صناعي تشكل الطاقة فيه العبء التشغيلي الأكبر، حيث يتيح التحليل الخوارزمي للمشغلين رصد المتغيرات الأكثر تأثيراً على استهلاك الكهرباء، وتوجيه جهود الصيانة التنبؤية قبل وقوع الأعطال المكلفة.
وتتعاظم الجدوى التشغيلية لهذه الحلول بالتوازي مع سعي السعودية لربط محطات التحلية بالطاقة المتجددة. فبينما تتمتع المملكة بثروة شمسية استثنائية تجعل التحلية النظيفة خياراً استراتيجياً، تفرض طبيعة الطاقة الشمسية المتقلبة تحديات معقدة على استقرار العمليات الصناعية. هنا تتدخل الخوارزميات لمطابقة الإنتاج المتذبذب مع متطلبات الضغط وتدفق الأغشية في الوقت الفعلي، مما يمنح الشبكة مرونة تمنع التآكل المفاجئ للمعدات وتحافظ على جودة الضخ.
ورغم هذه المكاسب، فإن طريق التعميم التجاري يواجه عقبات هيكلية صريحة. البروفيسور نور الدين غفور، أستاذ علوم وهندسة البيئة في «كاوست»، يرى أن التساؤل لم يعد يدور حول جدوى الذكاء الاصطناعي بل حول قدرته على التوسع المستقر في التشغيل التجاري. فالمنشآت القائمة تعمل بأنظمة ومعدات قديمة لا تتكامل بسهولة مع البرمجيات الذكية الحديثة، في حين تعتمد دقة النماذج على بيانات متسقة وعالية الموثوقية يصعب استخراجها من بنية متهالكة. وتتفاقم الصعوبات مع شح الكفاءات التي تجمع بين فهم هندسة التحلية العميقة وخبرة خوارزميات البيانات، فضلاً عن كلفة التبريد وحوسبة النماذج ومتطلبات الأمن السيبراني للمنشآت الحيوية.
ما الذي يعنيه هذا التحول للمهندسين والمشغلين في الخليج والمنطقة؟ التحليل يظهر أن معادلة خفض التكاليف لم تعد مرتبطة فقط بالتفاوض على صفقات التوريد أو إضافة خطوط ميكانيكية جديدة، بل بالقدرة على ترقية البنية التحتية القائمة بمجسات ذكية وحمايتها برمجياً. إن نجاح هذه المنظومات، كما يشير غفور، لا يقوم على التسليم الأعمى لقرارات الخوارزميات، بل على تأهيل مهندس متمكن قادر على مساءلة مخرجات النموذج وتدقيقها. ومع استهداف الرؤية لتحويل المحطات إلى اتخاذ قرارات روتينية شبه مستقلة بحلول نهاية العقد، تصبح المهارة الحاسمة للكوادر الوطنية هي الانتقال من دور التشغيل اليدوي المباشر إلى الإشراف السيادي على القرارات البرمجية وحماية أمن المياه.