تدقيق حسابات التشكيك في الذكاء الاصطناعي: أرقام عمالقة التقنية تفند نبوءات الانكماش
تتبعت القراءة النقدية التي نشرها الباحث والمطور دان لو السجل التنبؤي لأحد أبرز الأصوات المشككة في جدوى الذكاء الاصطناعي التوليدي، إد زيترون، واضعة ادعاءاته المتداولة على محك الأرقام الصريحة والبيانات المالية الموثقة. بنيت أطروحة زيترون الأساسية في أواخر عام 2024 على افتراض أن كبرى شركات التقنية، وفي طليعتها ميتا وغوغل ومايكروسوفت، تعيش مرحلة موت سريري وتتخبط في إقحام الذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها بسبب عجزها عن توليد أي نمو طبيعي، معتبرا أن هذا الاندفاع يمثل محاولة يائسة لإنقاذ منظومات تحتضر.
تُظهر الوقائع الحسابية التي وثقها لو في تحليله واقعا مغايرا تماما لتلك النبوءات، حيث واصلت الشركات الثلاث تحقيق قفزات مالية قياسية على مستوى الإيرادات وصافي الأرباح التشغيلية. ارتفعت إيرادات شركة ميتا من 135 مليار دولار في عام 2023 إلى 165 مليارا في 2024، ثم بلغت 201 مليار دولار في 2025 و117 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مترافقة مع أرباح تشغيلية وصلت إلى 83 مليار دولار في 2025. وسجلت شركة ألفابت، الشركة الأم لغوغل، نموا متصاعدا في الإيرادات من 307 مليارات دولار في عام 2023 إلى 403 مليارات في 2025 و230 مليار دولار في النصف الأول من 2026، بينما حققت مايكروسوفت 305 مليارات دولار من الإيرادات في 2025 مع أرباح تشغيلية بلغت 143 مليار دولار.
تكشف المراجعة التحليلية أن الخطاب المشكك لجأ إلى اجتزاء مؤشرات ثانوية أو بيانات غير دقيقة من مصادر خارجية مثل سيميلار ويب للترويج لتراجع مستخدمي منصات ميتا، متجاهلا البيانات المالية المجمعة والنمو المستمر في خدمات الحوسبة السحابية ويوتيوب. لم تقتصر الإخفاقات على توصيف وضع الشركات الكبرى، بل طالت جوهر التنبؤات التقنية والاقتصادية لنماذج الذكاء الاصطناعي نفسها. رصد التحليل سلسلة من التوقعات الجازمة التي أصدرها زيترون منذ مطلع عام 2024 وزعم فيها بلوغ التقنية حدودها القصوى ونفاد بيانات التدريب وتوقف نمو شركة أوبن إيه آي، وهي التقديرات التي أثبت مسار التطوير خطأها تباعا مع تجاوز أوبن إيه آي لتوقعات إيراداتها وطرح نماذج استدلال جديدة مثل طراز أو 1.
أظهر فحص النماذج الحسابية التي اعتمد عليها زيترون، كما بين الباحثان جوهو سنيلمان وتيموثي لي، وجود أخطاء منهجية فاضحة في جداول البيانات، ومنها إسقاط فترات زمنية واحتساب أيام مكررة في توقعات إيرادات شركة أنثروبيك، مما أنتج استنتاجات مضللة غايتها تأكيد قناعات مسبقة بدلا من تقديم قراءة اقتصادية نزيهة. يُبرز هذا التفكيك أن تحويل التشكيك التقني إلى سردية شعبوية تعتمد على أرقام مغلوطة يمنح المتابعين شعورا زائفا بالاطمئنان الاستراتيجي في توقيت يتطلب أعلى درجات اليقظة الحسابية.
يتغير الكثير في حسابات مديري التقنية وفرق التحول الرقمي في الخليج ومصر والشام بناء على هذا الدرس التوثيقي. إن الركون إلى مقولات انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي أو قرب انهيار منظوماته المالية قد يدفع المؤسسات والشركات الناشئة الإقليمية إلى تأجيل بناء الكفاءات البرمجية الداخلية، أو إبطاء الاستثمار في تكييف النماذج لخدمة الأسواق المحلية، أو التردد في حجز قدرات الحوسبة والبنية التحتية السحابية اللازمة. لا يطلب هذا المشهد تبني وعود التسويق دون تدقيق، لكنه يفرض عليك كصانع قرار أو مهندس ألا تتخذ من الأطروحات الجدلية مسوغا لتعطيل خططك التقنية، فالشركات المزودة للبنية التحتية تنمو وتوسع هوامشها التشغيلية باستمرار، والتخلف عن مجاراة وتيرة الاستدلال يضع المؤسسة في مواجهة منافسين يتحركون بناء على معايير الإنتاجية الفعلية لا وفق الجدل الإعلامي.