مؤتمر «ليب 2026» ينقل الذكاء الاصطناعي إلى الواقع المادي: عتاد الحوسبة والروبوتات المجسدة في اختبارات الميدان
شهد اليوم الثاني من فعاليات مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، المنعقد بالتزامن مع فعالية «ديب فيست» المتخصصة في التقنيات العميقة، نقطة تحول محورية في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي. النقاشات والعروض التقنية تجاوزت الوعود النظرية واستعراض القدرات البرمجية داخل الشاشات، لتنتقل مباشرة إلى آليات التشغيل في البيئات الواقعية والمادية، عبر أربعة محاور أساسية شملت الروبوتات المجسدة، والأطراف الاصطناعية الذكية، والبنية التحتية الحاسوبية المعقدة، والتكامل المؤسسي على المستوى الوطني.
في قطاع الروبوتات المجسدة والأنظمة التفاعلية، أظهرت الشركات العالمية الحاضرة تركيزًا على نقل خوارزميات الاستدلال من البيئات الافتراضية إلى العالم الحقيقي. أوضح أبيل دينغ، رئيس عمليات منطقة الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ لدى شركة «أجيبوت» الصينية، أن الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمجسدة تمثل مرحلة التفاعل التكنولوجي القادمة بعد ثورتي لوحة المفاتيح والهواتف المحمولة. واعتمدت الشركة في رؤيتها التقنية على دمج الإدراك الحسي والقدرات المعرفية والفعل الحركي في نظام موحد، مما يسمح للروبوت بممارسة مهامه داخل المنشآت اليومية بسلاسة طبيعية. وتكامل هذا الطرح مع ما قدمه تشانغ مين، نائب الرئيس في شركة «يونيتري» الصينية، مؤكدًا أن التركيز الصناعي الحالي ينصب على جعل الروبوتات المتقدمة أكثر قابلية للوصول والتوسع العملي، معتبرًا السوق السعودية من أبرز الوجهات المؤهلة لاستيعاب الجيل الجديد من الروبوتات الذكية.
الانتقال نحو التشغيل الفعلي لا يكتمل دون منصات حوسبة تتحمل الضغط اليومي وتواكب كثافة تدفق البيانات. وفي هذا الإطار كشفت شركة «سوبرمايكرو» الأمريكية عن بيئات حوسبة متطورة مصممة لمطابقة أعباء العمل المتسارعة، حيث أشار محمد زهري، المدير الإقليمي للشركة، إلى أن توسيع التطبيقات على مستوى المنشآت يتطلب بنية مرنة وقادرة على إدارة عمليات الاستدلال دون اختناقات. ويأتي هذا التوجه مدعومًا باستثمارات إقليمية مباشرة تستهدف بناء القدرات المحلية وتأهيل الكفاءات لتشغيل مراكز البيانات الحديثة بالتوافق مع مستهدفات رؤية 2030.
وعلى مستوى التطبيقات الصحية الدقيقة، قدمت شركة «سايونيك» الأمريكية يدًا اصطناعية حيوية تعتمد على تقنيات التعلم المستمر من حركات المستخدم. وأوضح الدكتور عديل أختر، الرئيس التنفيذي للشركة، أن التقنية تهدف إلى جعل العضو التعويضي امتدادًا جسديًا متكاملًا، كاشفًا أن البيانات الحركية المجمعة من المستخدمين تُستغل في مسار موازٍ لتدريب الروبوتات وتزويدها بمهارات الحركة الدقيقة، وهو ما يؤكد تداخل مجالات الصحة مع علوم التحكم الروبوتي.
هذا النضج التقني توازى مع إنجاز تشغيلي حكومي أعلنته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» لمنصة «توكلنا»، حيث جرى تكريم 62 جهة حكومية أتمت ربط خدماتها بالكامل لتحقيق مستهدفات عام 2026. وتخدم المنصة حاليًا ما يتجاوز 36 مليون مستخدم عبر تنفيذ أكثر من 85 مليون معاملة يوميًا، متيحة الوصول إلى ما يزيد على 1700 خدمة حكومية بعد توحيد 926 خدمة داخل واجهة رقمية واحدة، ما يعكس حجم البنية التشغيلية التي تديرها المنظومة الرقمية الوطنية.
هذا التحول من التجريب إلى التطبيق الميداني يعيد ترتيب الأولويات التقنية لفرق العمل والمؤسسات في المنطقة. المسؤول التقني في الشركات والمصارف وهيئات المرافق في الخليج ومصر والشام لم يعد معنيًا بمجرد إطلاق نماذج محادثة داخلية، بل أصبح ملزمًا بإعادة تصميم معماريات الحوسبة لاستيعاب أنظمة أتمتة مادية وربط الخدمات بالواجهات البرمجية الشاملة. التحدي القادم لن يكون إثبات كفاءة النموذج، بل ضمان صمود العتاد في إدارة ملايين العمليات المتزامنة، وتجهيز الكوادر البشرية للتعامل مع روبوتات ومعدات ذكية تعمل جنبًا إلى جنب مع الموظفين في الميدان.