تخطَّ إلى المحتوى

إغراء الاستغناء عن المترجم البشري: فصاحة الذكاء الاصطناعي تخفي أخطاء تقلب المعنى

شارك المقال
إغراء الاستغناء عن المترجم البشري: فصاحة الذكاء الاصطناعي تخفي أخطاء تقلب المعنى
الصورة: Cytonn Photography / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تتعامل منصة ترجمة غوغل وحدها مع تريليون كلمة شهريا، بينما وصلت المبيعات المباشرة لبرمجيات الترجمة الآلية المستقلة إلى نحو 1.4 مليار دولار العام الماضي. ومع دخول نماذج متقدمة مثل ديب إل ومايكروسوفت وكلود وتشات جي بي تي وجيميني، تواجه المؤسسات إغراء اقتصاديا متصاعدا للتخلص من الكلفة البشرية. مضاعفة النفقات مئة ضعف لتدقيق النسبة المتبقية من الهفوات قد تبدو غير مبررة في الوثائق الداخلية، لكن هذا المنطق الاقتصادي ينهار تماما عندما ترتبط الكلمات بقرارات مصيرية.

يوضح جون زيمرمان، مؤسس منظمة المعرفة المفتوحة السويسرية غير الربحية، هذا التحول بدقة؛ إذ أصبحت مؤسسته أكبر مساهم في ترجمة مقالات موسوعة ويكيبيديا بأكثر من عشرة آلاف مقال نُقلت إلى الإسبانية والبرتغالية والإنجليزية. تلك المهمة الضخمة كانت ستكلف ملايين الدولارات بالمسار التقليدي. وقبل عامين أو ثلاثة، كان المترجمون البشريون يعيدون صياغة أجزاء واسعة من مسودات النماذج، أما اليوم فإن النصوص الناتجة تتدفق بسلاسة ظاهرية لا تترك مجالا للشكوك السريعة، ما دفع قطاعات واسعة للتفكير في عزل العنصر البشري من المسار نهائيا.

غير أن الفحص الميداني يكشف وجها مقلقا لهذه الفصاحة المصطنعة. في دراسة أجرتها المنظمة السويسرية بتمويل من ويكيميديا وشملت 119 مقالا وعشرة أزواج لغوية وأكثر من ألف ساعة عمل للمترجمين، خضع 27 بالمئة من النص الآلي لتصحيحات بشرية قبل الاعتماد، وجاءت ثلاثة أرباع تلك التصحيحات لمعالجة أخطاء ولدتها النماذج بنفسها، بينما غيرت نسبة تراوحت بين 5 و6 بالمئة من الأخطاء المعنى الأصلي للنص بالكامل. خطورة الجيل الجديد من الخوارزميات تكمن في قدرته على صياغة أخطاء جسيمة بلغة طبيعية تبدو متماسكة ومقنعة للغاية. وكما توضح كارول بيرويتر، المتخصصة في الترجمة الطبية، فإن الجمل المعيبة لم تعد تقفز أمام عين القارئ بركاكة قواعدها كما كان في الماضي، بل تظهر اليوم بأسلوب طبيعي ومترابط يصعب كشفه.

تتخذ هذه الفجوة بعدا حرجا في القطاعات الحساسة؛ فالخطأ الإجرائي في الترجمة الآلية لطلبات اللجوء داخل الولايات المتحدة تسبب بالفعل في تأخير إطلاق سراح محتجزين. وتروي الخبيرة القانونية أرييلا بالتييه أن الأنظمة الآلية ترجمت صفة المدعي في وثائق المحاكم إلى مجرد طالب، وخلطت بين الأسماء والأفعال لتصف الوضع العائلي بزواج جديد بدلا من كونه زواجا قائما. وفي الحقل الطبي، تحولت الجرعة الدوائية ذات مرة إلى ألف ضعف عندما قرأت الخوارزمية الحرف الإغريقي الدال على الميكروغرام على أنه مليغرام. ويشير فرانسوا إيفون، مدير الأبحاث المتخصص في الترجمة الآلية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن هذه الأنظمة تبنى على الاحتمالات الإحصائية لا الفهم؛ وهي آلية تجعلها قادرة على الخلط بين تلميع الأحذية واسم لغة بولندا، أو العجز عن تمييز ركلة ركنية في مباراة كرة قدم، ما يجعل موثوقيتها المطلقة مستحيلة البلوغ بمعماريتها الحالية.

هذا الواقع يفرض إعادة تقييم جذرية لخطط الأتمتة لدى المؤسسات والشركات في الخليج ومصر والمشرق العربي. فمع تدفق مناقصات البنية التحتية الضخمة والشراكات الاستثمارية العابرة للحدود والنزاعات القضائية متعدية اللغات، يمثل الاندفاع نحو خفض ميزانيات الترجمة عبر الاعتماد الحصري على الآلات فخا تعاقديا باهظ الثمن. التوفير المالي الأولي في فواتير الصياغة يتحول إلى مخاطر قانونية فادحة عند توقيع وثائق ملزمة تتضمن تحريفا خفيا في شروط المسؤولية أو بنود الدفع. التحول المطلوب في بيئة الأعمال الإقليمية لا يكمن في مقاطعة الأدوات، بل في تغيير وظيفة المدقق البشري: نقله من محرر يحسن ركاكة الصياغة إلى مفتش خبير يتعقب تحريف المعاني المتخفي خلف بلاغة اصطناعية خادعة.

المرحلة المفصلية المقبلة لن تتحقق حين تترجم النماذج نصوصا أطول بسرعة أعلى، بل عندما تكتسب البرمجيات القدرة على الشك وإخطارنا بأنها غير واثقة من مخرجاتها. وإلى أن تنضج بيئات المراجعة المتزامنة التي يقترحها الباحثون، حيث يترجم نموذج وينقده ثان ويصوبه ثالث، يبقى الاعتماد الأعمى على الآلة في محررات العقود وبروتوكولات الرعاية الصحية مغامرة غير محسوبة تضع سمعة الموقعين ومصائرهم المهنية على المحك.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد