شبكات عصبية تبني آليات تعلمها ذاتيا: باحثو معهد ماساتشوستس يطابقون كفاءة التغذية العكسية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
في متابعتنا لتطورات علم الأعصاب الحسابي، نرى أن هندسة الذكاء الاصطناعي السائدة ظلت تعتمد على يد خارجية تملي على النماذج مسار تصحيح أخطائها خطوة بخطوة، لكن الدماغ البشري لا يملك مهندسا خارجيا يضبط أوزان روابطه العصبية. في دراسة علمية نشرتها دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، أثبت فريق بحثي من معهد ماكغفرن لأبحاث الدماغ ومركز ليزا يانغ لعلم الأعصاب الحسابي في معهد ماساتشوستس للتقنية إمكانية بناء شبكات عصبية اصطناعية تطور آليات تعلمها ذاتيا. بدأت التجربة بوحدات عشوائية الترابط، وسرعان ما أعادت تشكيل بنيتها الداخلية لتتحول إلى شبكة قادرة على معالجة المعلومات بدقة عالية، استنادا إلى قواعد أولية بسيطة تحكم الروابط البينية دون أي توجيه مباشر من المطور.
بناء أدوات التعلم ذاتيا داخل الشبكة يلغي الحاجة إلى مخططات التصميم الجاهزة. انطلق النموذج الحاسوبي الذي طوره الباحثون بمشاركة تشيانلي لياو وليو زيين ويولو غان، تحت إشراف الأستاذين توماسو بوجيو ومارك هارنيت، من طبقات متعددة تضم وحدات شبيهة بالخلايا العصبية ترتبط عشوائيا في البداية. خضعت كل وحدة في الطبقة الواحدة لقاعدة موحدة مستوحاة من علم الأحياء، ومفادها أن الخلايا التي تنشط معا تقوى الروابط بينها تلقائيا. ومع استمرار التفاعل الداخلي بين الوحدات، ظهرت أنماط وظيفية ذاتية التجمع عملت ككتل بناء للدوائر العصبية، ثم أعادت تنظيم نفسها باستخدام استراتيجية تحسين تحاكي خوارزمية الانحدار المتدرج المعتمدة في أحدث أنظمة التعلم الآلي.
اختبر الباحثون قدرة هذه الشبكة ذاتية التنظيم على التعرف على الأنماط وتصنيف الصور، وجاءت النتيجة لتؤكد أنها حققت كفاءة تضاهي الشبكات الاصطناعية التي تدربت عبر خوارزمية التغذية العكسية التقليدية. يمثل هذا التكافؤ إنجازا جوهريا، فالأوساط العلمية تدرك أن الدماغ لا يستخدم التغذية العكسية الرياضية لضبط وصلاته، بينما اعتمد الذكاء الاصطناعي المعاصر على تلك الخوارزمية لتحقيق قفزاته. العثور على نظير بيولوجي لخوارزمية الانحدار المتدرج يردم الفجوة الميكانيكية بين الآلات والأدمغة الطبيعية. يوضح الباحثون أن فهم هذه القواعد يمثل حجر الأساس لكشف الاضطرابات الناتجة عن الأمراض وتراجع القدرات الإدراكية مع التقدم في السن، بجانب تطوير الواجهات الدماغية الحاسوبية المخصصة للمرضى الذين فقدوا القدرة على النطق أو الحركة.
بالنسبة إلى المختبرات التقنية والفرق الهندسية في الخليج ومصر والشام، ينقل هذا الكشف النقاش المعماري من الاعتماد المطلق على التوسع في العتاد إلى إعادة النظر في فيزياء النماذج وطرق تدريبها. تعاني المشاريع الإقليمية العاملة في الأجهزة الطبية الذكية والأطراف العصبية الاصطناعية من محدودية الطاقة الحوسبية والبطاريات، إذ يستحيل عمليا تشغيل خوارزميات التغذية العكسية الثقيلة داخل أجهزة دقيقة ومحمولة. يمنح هذا النموذج المطورين في المنطقة مسارا عمليا لبناء رقائق حافة عصبية تتعلم ذاتيا من الإشارات الحيوية المباشرة بأقل استهلاك للطاقة، بدلا من ربط الأنظمة بمراكز بيانات خارجية لمعالجة الأخطاء وحساب الانحدارات.
الانتقال نحو التنظيم الذاتي يعيد رسم العلاقة بين أبحاث الأعصاب وتطبيقات الحوسبة المتقدمة. لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فك شفرة الروابط الدماغية، بل تمتد لتفتح بابا أمام صانعي النماذج لتجاوز حدود الهندسة الصارمة التي تكبل بنية الشبكات الحالية. عندما تصبح الشبكة العصبية قادرة على ابتكار آليات تدريبها الخاصة وتثبت كفاءتها في المهام الصعبة، يصبح تطوير الذكاء الحسابي عملية استكشاف حيوية تنطلق من القواعد البسيطة، متحررة من الفرضيات الرياضية المعقدة التي وضعتها يد المصمم.