تخطَّ إلى المحتوى

«تحول النظم المالية إلى مسارات مشتركة: كيف تهيئ المالية المفتوحة بيئة العمل للوكلاء الأذكياء؟»

شارك المقال
«تحول النظم المالية إلى مسارات مشتركة: كيف تهيئ المالية المفتوحة بيئة العمل للوكلاء الأذكياء؟»
الصورة: Jakub Żerdzicki / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تتكرر في مسار المنصات التقنية الكبرى محطة حاسمة، تبدأ برقمنة المنتجات الفردية، ثم تتجه إلى ربطها، قبل أن ينتقل التفوق التنافسي من كفاءة الأداة الواحدة إلى مستوى ذكاء المنظومة ككل. هذا المسار الذي عبرت منه الهواتف الذكية والحوسبة السحابية يتكرر اليوم في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث ينتقل التركيز من النماذج المنعزلة إلى تنسيق العمل بين نماذج متعددة وأدوات وسير عمل مترابطة. وفي اللحظة الراهنة، يبلغ قطاع الخدمات المالية المنعطف نفسه، بعد عقدين من الابتكارات التي وفرت مصارف رقمية ومنصات مدفوعات وبرمجيات محاسبية متقدمة، لكنها تركت البيانات المالية مشتتة بين بوابات ومؤسسات متباعدة.

هذا التشتت يفرض كلفة اقتصادية مباشرة على بيئة الأعمال في المنطقة. فحين يدير صاحب العمل مدفوعاته عبر نظام، ويحتفظ بأمواله في مصرف آخر، ويصدر فواتيره من منصة ثالثة، ويراجع دفاتره في برنامج مستقل، يتحول المستخدم نفسه إلى طبقة الدمج اليدوية التي تصل بين تلك الأنظمة المنفصلة. وتظهر خطورة هذا الانقطاع بوضوح في تقديرات مؤسسة التمويل الدولية، التي حددت فجوة تمويل المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات النامية والصاعدة بنحو 5.7 تريليون دولار، مسجلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إحدى أعلى النسب مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بمتوسط يقارب 30 في المئة. فالشركات التي تمتلك تدفقات نقدية منتظمة وعائدات جيدة قد تحرم من الائتمان، لمجرد أن مؤشرات ملاءتها موزعة على منصات لا ترى جهة التمويل منها سوى زاوية ضيقة.

هنا تمثل المالية المفتوحة البنية التأسيسية التي تتجاوز مفهوم المصرفية المفتوحة التقليدية، إذ لا تكتفي ببيانات الحسابات البنكية، بل تمتد لتشمل الإقراض ومنصات المحاسبة وأدوات الاستثمار. وتتجسد هذه الرؤية التنظيمية في الإطار الذي وضعه مصرف الإمارات المركزي للمالية المفتوحة، عبر تأسيس بنية تحتية مشتركة لتبادل البيانات وبدء المعاملات بالاعتماد على مركز واجهات برمجة التطبيقات وإطار الثقة المشترك، مما ينشئ مسارات موحدة تتيح للمؤسسات المالية وشركات التقنية المالية بناء تجارب متكاملة تعمل وفق سياق بياني واحد وموثوق.

التجربة البرازيلية تقدم دليلا عمليا على نتائج بناء هذه البنية التحتية الشاملة على مستوى المنظومة ككل، فوفقا لبيانات البنك المركزي البرازيلي، أسفرت عمليات تبادل البيانات الخاضعة لموافقة العملاء، بين بدء تطبيق المالية المفتوحة في عام 2021 ونهاية يونيو 2025، عن توليد عمليات ائتمانية بقيمة 31 مليار ريال برازيلي، تضمنت 5.4 مليار ريال ائتمانا جديدا قدمته شركات التقنية المالية لنحو ستة ملايين عميل، مستندة إلى معايير تنظيمية موحدة للمصادقة والأمان والموافقة المشتركة.

تكتسب هذه البنية التحتية المترابطة وزنا مضاعفا مع دخول الوكلاء المستقلين إلى المشهد المالي. فالذكاء الاصطناعي في صيغته الحالية قادر على شرح حركة مالية أو تلخيص النفقات، غير أن ربطه بالبنية التحتية للمالية المفتوحة يمنحه السياق اللازم لاتخاذ قرارات وإجراءات تنفيذية مباشرة. وبدلا من الاكتفاء بإخطار صاحب العمل بوجود فجوة سيولة وشيكة، يستطيع الوكيل المالي، ضمن صلاحيات محددة مسبقا، تقييم الخيارات المتاحة، وجدولة المدفوعات، أو تحريك السيولة بين الحسابات المؤهلة لتفادي العجز التشغيلي.

هذا التطور يضع القيادات المالية وفرق التقنية في الخليج ومصر والمنطقة أمام تغيير جوهري في بناء الخدمات المصرفية والرقمية. فالمسألة لم تعد تتوقف عند إضافة واجهة محادثة ذكية، بل تتطلب تحديد نطاق التفويض الممنوح للأنظمة الذكية، وصياغة قواعد واضحة للمسؤولية عند وقوع خطأ تنفيذي، وضبط آليات الموافقة المستمرة للوكيل بدلا من الاعتماد على إذن المعاملة الواحدة. إن بناء بنية الربط المالي بالتزامن مع تطور طبقة الذكاء الاصطناعي يمنح أسواق المنطقة فرصة لتصميم نظمها حول متطلبات الغد، بدلا من إعادة ترميم مسارات قديمة لا تستجيب لمتطلبات التشغيل الذاتي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد