«هيومين» تقود تنفيذ الذكاء الاصطناعي السيادي: شراكة مع «ميسترال» وتوزيع نماذج «علام» عبر «مايكروسوفت» وتوسعة حوسبية بـ 200 ميجاواط
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تسارعت وتيرة تنفيذ مشروعات الذكاء الاصطناعي السيادي في المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأخيرة، حيث تصدرت شركة «هيومين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة المشهد عبر سلسلة من الاتفاقيات الاستراتيجية التي شملت تطوير النماذج والبنية التحتية للحوسبة والتوزيع المؤسسي، في تحول عملي يركز على إنجاز الخطط المعلنة مسبقا بدلا من الاكتفاء بطرح مبادرات جديدة.
بدأت هذه التحركات في الرابع والعشرين من أغسطس بالإعلان عن تعاون استراتيجي بين «هيومين» وشركة «ميسترال» الفرنسية بقيمة تقدر بمئات الملايين من اليورو. ويغطي هذا الاتفاق تطوير البنية التحتية وتوطين النماذج انطلاقا من قطاعي الأمن السيبراني والصوت وصولا إلى النماذج المتقدمة باللغة العربية، إلى جانب استكشاف تشغيل أعباء العمل الخاصة بالشركة الفرنسية على مراكز بيانات «هيومين» لتلبية الطلب المحلي، وطرح حلول مشتركة موجهة نحو القطاعات الخاضعة للتنظيم في السوق السعودية.
وفي السادس والعشرين من أغسطس، أعلنت «هيومين» خطوة توزيع رئيسية عبر اتفاق طويل الأجل مع شركة «مايكروسوفت»، يقضي بدمج نماذج «علام» العربية التابعة لها ضمن منظومة «مايكروسوفت»، وتحديدا عبر «مايكروسوفت فاوندري» ومساعد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت». وتتضمن الشراكة إشراك مهندسي «هيومين» جنبا إلى جنب مع مهندسي الدعم الميداني لدى «مايكروسوفت» داخل المؤسسات والعملاء، وهو ما يمثل أول وصول لنماذج سيادية خليجية إلى منصة مؤسسية عالمية بهذا الحجم، مما يحول مكاسب التطوير إلى انتشار واسع في بيئات العمل اليومية.
وعلى صعيد العتاد ومراكز البيانات، منحت «هيومين» شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» المدرجة في السوق السعودية عقودا لبناء سعة حوسبية جديدة تبلغ 200 ميجاواط، تضاف إلى مشروع قائم بسعة 50 ميجاواط، لتتضاعف بذلك قدرتها الحوسبية أربع مرات. وأفصحت «المعمر» للسوق المالية أن قيمة العقود تتجاوز 689 بالمئة من إيراداتها المسجلة في عام 2025 والبالغة 1.3 مليار ريال، مع توقع توقيع العقود النهائية خلال أسبوعين لبدء مراحل الهندسة والإنشاء. وتزامن ذلك مع إبرام «أرامكو الرقمية» مذكرة تفاهم ضمن حزمة اتفاقيات مع شركات فرنسية بقيمة تتجاوز 3.7 مليار دولار، للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي الصناعي وتقنيات التوأمة الرقمية لقطاع النفط والغاز.
وعلى المستوى الإقليمي، سجلت الأسواق المجاورة تحركات متوازية وإن كانت بنطاقات مختلفة، إذ قاد «جهاز قطر للاستثمار» جولة تمويلية من الفئة الرابعة بقيمة 200 مليون دولار لشركة الشحن الذاتي «غاتيك» بالاشتراك مع «كوك ديسرابتيف تكنولوجيز»، مواصلا تركيزه على طبقات العتاد والتطبيقات المباشرة. وفي مصر، حددت الحكومة خطة لضخ استثمارات سنوية تتراوح بين 500 و860 مليون دولار في مجالات مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأمن البيانات والذكاء الاصطناعي للشركات المملوكة للدولة، إلى جانب استهداف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نحو 2.5 مليار جنيه لتطوير البنية التحتية للاتصالات.
وفي الإمارات، أظهر مؤشر «سيرفس ناو» لنضج الذكاء الاصطناعي المؤسسي ارتفاع درجة النضج 13 نقطة، حيث نشرت 57 بالمئة من المؤسسات أدوات ذكاء اصطناعي قائمة على الوكلاء، بينما اقتصر تشغيل مسارات العمل المؤتمتة ذاتيا على 7 بالمئة منها فقط، مع توقعات بتخصيص نحو خمس ميزانيات تقنية المعلومات للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، في وقت تترقب فيه الأسواق دخول مجمع «ستارغيت» التابع لمجموعة «جي 42» بسعة 200 ميجاواط حيز التشغيل خلال عام 2026.
هذا التسارع في تنفيذ البنية التحتية والشراكات يفرض واقعا جديدا على قادة التقنية والفرق الهندسية في المنطقة، إذ يعني دمج نماذج «علام» في منصات الإنتاجية المكتبية تغيير مسارات شراء البرمجيات وتفضيل النماذج العربية المعتمدة داخل البيئات التنظيمية في الخليج بدلا من الاعتماد الحصري على الواجهات الغربية المستوردة. كما أن التوسع في سعات مراكز البيانات محليا يخفض زمن الاستجابة ويوفر خيارات معالجة داخل الحدود للمؤسسات المصرفية والحكومية في الخليج ومصر والشام، بينما يرفع ارتفاع تكاليف الاقتراض الإقليمية معايير العائد المطلوب على الاستثمار للشركاء من القطاع الخاص المشاركين في المشروعات الحوسبية.
نرى في حصيلة هذه الأيام دلالة واضحة على أن الرهان الحقيقي انتقل من مرحلة الإعلان عن استراتيجيات عامة إلى مرحلة التنفيذ على الأرض وحجز السعات وتأمين قنوات التوزيع المؤسسي للنماذج العربية.