«مايكروسوفت» تعامل وكلاء الذكاء الاصطناعي كتهديدات داخلية وتطالب بفصل توريد النماذج عن الرقابة
الموظف الذي يملك صلاحية الوصول إلى قواعد البيانات الحساسة ويتحرك داخل شبكة المؤسسة قد لا يكون بشريًا بعد اليوم، بل وكيل ذكاء اصطناعي دُفعت تكاليف تشغيله رسميًا. هذا التحول الصريح قادته «مايكروسوفت» بإعلانها حزمة مزايا أمنية جديدة لحماية الشركات من أخطار الوكلاء الأذكياء، واصفة هذه البرمجيات بأنها أقرب إلى التهديدات الداخلية التي تشبه الموظف البشري المتمرد داخل المنظومة. الإعلان الذي تزامن مع تحذيرات متتالية لقطاع الأعمال، يدشن ميزة «وكلاء الحراسة» (Guardian Agents) بوصفها أحدث إضافة إلى «مشروع الإدراك» (Project Perception) الذي كشفت عنه الشركة في يونيو الماضي لمواجهة أدوات الاختراق المتقدمة.
كان «مشروع الإدراك» قد صُمم أساسًا لمواجهة نماذج قرصنة قوية مثل «ميثوس» و«فيبل» من شركة «آنثروبيك» ونظام «داي بريك» الأمني التابع لشركة «أوبن إيه آي»، واعتمد هيكلًا ثلاثيًا يقسم الوكلاء إلى فريق أحمر يمارس الهجوم، وفريق أزرق يرصد الثغرات، وفريق أخضر يتولى المعالجة والإصلاح. غير أن الفرضية المؤسسة لذلك النظام افترضت أن الهجمات ستأتي دائمًا من خارج أسوار المنشأة. النقلة الحالية تقلب هذا الافتراض، إذ حذر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، من أن الخطر الأكبر قد يكمن في الوكلاء أنفسهم الذين تنشرهم المؤسسات وتمنحهم حق التصرف في بياناتها الحساسة نيابة عنها.
في مدونته الخاصة، أوضح ناديلا أن الوقت حان للتوقف عن منح الثقة لمزودي النماذج، حتى وإن قدموا تطمينات أمنية مسبقة، مؤكدًا أن المؤسسات لا تستطيع تفويض مسؤولية القرارات التي تتخذها تلك المنظومات نيابة عنها. «علينا فصل توريد الذكاء عن سلطة الرقابة عليه»؛ بهذه العبارة حسم ناديلا مبدأ المعمارية الأمنية الجديدة. وتولت هاييت غالوت، المسؤولة التنفيذية لقطاع الأمن في «مايكروسوفت»، تفصيل هذه الرؤية بالتأكيد على أن نماذج الطليعة لا يمكن الوثوق بها بصرف النظر عن مصدرها، ليس لكونها خبيثة بطبيعتها، بل لكونها غير قابلة للتنبؤ؛ فهي دُرّبت على إنجاز المهام المطلوبة دون استيعاب حقيقي للمعايير التنظيمية والحكم المؤسسي، مع امتلاكها مفاتيح الأنظمة الحيوية.
رصدنا في هذا الطرح مفارقة تجارية بارزة، فـ«مايكروسوفت» تُعد مستثمرًا رئيسيًا في «أوبن إيه آي» و«آنثروبيك»، وتوفر لهما البنية السحابية الأساسية، كما تطور نماذجها الخاصة عبر مختبراتها. غير أنها تزرع اليوم الشكوك حول مخرجات تلك النماذج لتقديم نفسها بصفتها المزود السحابي والمدقق المستقل الذي يبيع الحماية، تمامًا كما يستلزم التدقيق المالي طرفًا منفصلًا عن المنشأة الخاضعة للمراجعة. وترجمةً لهذه الفرصة، عززت الشركة نظام «مايكروسوفت ديفندر» بقدرة على رصد ستين نوعًا من الوكلاء الذين يُدخلهم الموظفون إلى بيئات العمل، ومنها أدوات مثل «كلود كود» و«كودكس» و«أوبن كلو»، مع وضع آليات تحد ديناميكيًا من صلاحيات الوكلاء وتفرض موافقة بشرية مسبقة على الإجراءات عالية المخاطر.
ولم تتوقف هذه الموجة عند حدود البرمجيات، بل امتدت إلى العتاد الصلب والتحالفات الصناعية العريضة. انضمت «مايكروسوفت» كعضو مؤسس إلى «منصة سلامة الوكلاء المفتوحة» التابعة لشركة «إنفيديا»، بمشاركة أكثر من مئة شركة تقنية، وهي منصة تعزل الوكلاء في بيئات آمنة وتتيح مراقبتهم وقطع نشاطهم عبر العتاد كقاطع طوارئ فيزيائي. وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان أجهزة حواسيب «سيرفس لابتوب ألترا» المصممة خصيصًا لتشغيل الوكلاء، والتي تعتمد رقائق «إنفيديا» وتدمج ضوابط السلامة والتحكم في صلب تكوينها العتادي.
هذا التطور يعيد رسم معادلة الإنفاق والحوكمة لمن يقود البنية الرقمية في الخليج ومصر والشام. فإذا كنت تشرف على ربط وكلاء الأتمتة بقواعد بيانات العملاء وسجلات المعاملات، فلن تستطيع بعد اليوم الاعتماد على وعود المطورين كدرع تدقيقي كاف؛ فالمسؤولية القانونية والتشغيلية تبقى في ملعبك وحدك. حماية المؤسسة باتت تفرض تخصيص ميزانية مستقلة لطبقة رقابة وتدقيق وسيطة تراقب أفعال النماذج قبل تنفيذها. كما يضع هذا التحول على عاتق فرق أمن المعلومات في المنطقة مهمة ضبط بيئات العمل من أدوات البرمجة غير الخاضعة للرقابة، وبناء قواطع إيقاف فورية قبل منح أي وكيل تفويضًا بتنفيذ إجراء مالي أو إداري لا يمكن الرجوع عنه.