«معضلة السيادة الرقمية في الخليج»: تفوق في البنية التحتية وفجوة في الحوسبة والقيادة التنفيذية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أظهر تقرير صادر عن شركة «أكسنتشر» أن منطقة الشرق الأوسط حققت تقدمًا مبكرًا في حوكمة الذكاء الاصطناعي واعتماد السحابة السيادية، إلا أنها تقف اليوم أمام منعطف حاسم يفرض عليها التعمق في طبقات الحوسبة وبناء النماذج والتطبيقات لتحويل هذا التقدم الأولي إلى ميزة تنافسية مستدامة. استند التقرير إلى استطلاع شمل نحو ألفي قيادي في القطاعين الحكومي والتجاري عبر 28 دولة، من بينهم عينة مركزة تضم 185 مشاركًا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، لرسم خريطة دقيقة لواقع السيادة الرقمية ومسارات نضجها في المنطقة.
أبرزت نتائج الاستطلاع تركيزًا كبيرًا على حماية البيانات، حيث منحت 54 في المئة من المؤسسات الإقليمية الأولوية لمتطلبات توطين البيانات وإقامتها محليًا أولًا، تلتها طبقة البنية التحتية بنسبة 31 في المئة. وتوضح عبير حبال، مسؤولة البيانات والذكاء الاصطناعي في أكسنتشر الشرق الأوسط والمشاركة في إعداد التقرير، أن تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قادر على توليد قيمة اقتصادية إضافية تتجاوز 10.3 تريليون دولار بحلول عام 2038 إذا ما جرى تطبيقه بمسؤولية وعلى نطاق واسع عبر مختلف القطاعات وسلاسل القيمة.
الثقة التنظيمية في المنطقة تصطدم بفجوة القدرات التشغيلية والاعتماد المستمر على المزودين العالميين.
يكشف التقرير مفارقة لافتة بين مستويات الثقة والقدرات الفعلية، إذ وصف 60 في المئة من الرؤساء التنفيذيين في الشرق الأوسط نهج دولهم بأنه «عالي السيادة» مقارنة بنحو 32 في المئة فقط على المستوى العالمي. كما نقلت المؤسسات الإقليمية 57 في المئة من بياناتها وأعباء عملها إلى بيئات سحابية سيادية مقارنة بنسبة 49 في المئة عالميًا، وأكدت 65 في المئة منها ميلها لتبني حلول سيادية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى ما يقرب من ثلثي المشاركين أن الحلول السيادية المحلية ما تزال متأخرة عن عمالقة السحابة العالميين، في حين أقر 35 في المئة فقط بأن الجهود الحالية خفضت اعتمادهم التشغيلي على المزودين الدوليين بشكل ملموس. وتشير كارلا ماريا عيسى، رئيسة أبحاث الشرق الأوسط في أكسنتشر والمشاركة في إعداد التقرير، إلى أن 77 في المئة من المشاركين يعولون على الدور المحوري للحكومات في تعزيز السيادة عبر التشريعات والدعم والاستثمارات المباشرة.
حلل التقرير مسألة السيادة عبر خمس طبقات تقنية متكاملة تبدأ بالبنية التحتية، ثم الحوسبة، فالنماذج، وصولًا إلى التطبيقات والبيانات. وتبرز قوة المنطقة بوضوح في البنية التحتية بفضل مشروعات كبرى مثل شركة «هيومان» (HUMAIN) في السعودية وشراكاتها مع «إنفيديا» و«إيه إم دي»، إلى جانب منصات سحابية مثل «سحابة جي 42» في الإمارات و«سحابة إس سي سي سي علي بابا» في السعودية. لكن التقرير يصنف طبقة الحوسبة والاستدلال بوصفها عنق الزجاجة الأبرز، فمع أن السعودية حجزت طلبات لأكثر من 18 ألف شريحة ذكاء اصطناعي متقدمة من إنفيديا، وحصلت الإمارات على تراخيص لأكثر من 20 ألف شريحة من طرازي A100 وسلسلة H، فإن تصنيع الرقائق المتقدمة وتصميمها يظلان محصورين لدى قلة من الشركات العالمية. وعلى مستوى النماذج اللغوية، تواصل المنطقة تطوير مبادرات عربية رائدة مثل نموذج «علام» السعودي، و«فالكون» و«جيس» في الإمارات، و«فنار» في قطر، غير أن مرحلة التسويق التجاري الواسع لهذه النماذج ما تزال في بداياتها مقارنة بالنطاق العالمي.
حصر السيادة داخل أروقة الامتثال القانوني يحرم الشركات من بناء ميزة تنافسية حقيقية في السوق.
أخطر ما سجله التقرير يتمثل في الفجوة القيادية، إذ كشفت البيانات أن 10 في المئة فقط من المؤسسات في الشرق الأوسط وضعت سيادة الذكاء الاصطناعي على جدول أعمال مجالس الإدارة أو الرؤساء التنفيذيين. واعتبرت أكسنتشر هذا القصور نقطة عمياء حرجة، محذرة من أن غياب التبني التنفيذي يحول السيادة إلى مجرد إجراء شكلي للامتثال التنظيمي بدلًا من استثمارها كمحرك للقيمة الاقتصادية، ويقترن ذلك بندرة في الكفاءات المتخصصة التي تقود هذه المنظومة محليًا وتدير تكامل القدرات البشرية مع التقنية.
بالنسبة للقيادات التقنية والتنفيذية في الخليج ومصر والشام، تفرض هذه النتائج إعادة ترتيب فورية للأولويات الاستثمارية. لم يعد يكفيك استئجار مساحات تخزين محلية أو الاكتفاء بالامتثال لقوانين إقامة البيانات في خوادم قريبة، بل بات لزامًا عليك بناء بنية مرنة لا ترتهن لمزود سحابي وحيد، والتركيز على تكلفة تشغيل عمليات الاستدلال وتطوير التطبيقات المتخصصة. كما أن الميزة النسبية التي تملكها دول الخليج في توفير إمدادات طاقة آمنة ومنخفضة التكلفة تمنح المؤسسات فرصة خفض تكاليف التوسع الحاسوبي، مما يتيح للشركات الإقليمية تدريب نماذجها ونشرها محليًا بتكلفة تنافسية وتأهيل فرق هندسية قادرة على إدارة وتطويع النماذج السيادية بدل استهلاك الواجهات الجاهزة.