تخطَّ إلى المحتوى

«ظل الذكاء الاصطناعي» يسبق حواجز الأمان في الخليج: سباق الحوكمة يفرض شروط التشفير والسيادة المحلية

شارك المقال
«ظل الذكاء الاصطناعي» يسبق حواجز الأمان في الخليج: سباق الحوكمة يفرض شروط التشفير والسيادة المحلية
الصورة: Saradasish Pradhan / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تسجل بيئات العمل في منطقة الخليج العربي واحدة من أسرع وتائر تبني أدوات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، غير أن هذه السرعة الفائقة بدأت تفرز فجوة صريحة بين حماسة الموظفين لرفع الإنتاجية وقدرة المؤسسات على ضبط قنوات الأمان وحماية البيانات الحساسة. تفيد تقديرات مجموعة «بوسطن كونسلتينج جروب» بأن نحو 93 بالمئة من موظفي الخطوط الأمامية و95 بالمئة من المديرين والقادة في المنطقة يستعينون بهذه التقنيات مرات عدة كل أسبوع، وهو معدل استثنائي يكشف أن تقنيات التوليد لم تعد تجارب هامشية، بل باتت المحرك اليومي لتدفقات العمل الإدارية والتشغيلية.

هذا الانتشار الكاسح فتح الباب أمام ما بات يُعرف بظاهرة «ظل الذكاء الاصطناعي»، حيث يقبل الموظفون على استخدام منصات ونماذج ذكية دون علم مسبق من جهات عملهم أو إذن رسمي منها. وخلال مشاركته في مؤتمر «جيسيك جلوبال» للأمن السيبراني في دبي، والذي يجمع أكثر من 25 ألف متخصص من نحو 180 دولة، نبه محمد الفاعور، المدير العام لشركة برمجيات المؤسسات «إيجنايت» في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن الغالبية العظمى من تسريبات البيانات المؤسسية لا تأتي بدوافع تخريبية متعمدة، بل تنتج عن ممارسات حسنة النية من كوادر تحاول إنجاز مهامها الوظيفية بمرونة أكبر، دون إدراك حقيقي للمخاطر المترتبة على تلقيم النماذج اللغوية العامة بسجلات مالية أو بيانات شخصية أو وثائق سرية تخص الشركة.

المعضلة لم تعد في منع التقنية بل في فرض ضوابط دقيقة على تدفقاتها، بحيث تصبح الحوكمة نقطة الانطلاق الأساسية لا مجرد إجراء رقابي لاحق.

تتعامل الشركات المتقدمة مع هذه الإشكالية عبر ربط الوكلاء ومسارات العمل الآلية بمنظومة التصاريح وسجلات التدقيق ذاتها المطبقة على البيانات الأصلية، مع اشتراط موافقة المسؤولين على أي تعديلات تطرأ على السياسات، وتسجيل كل أمر إدخال محظور بدقة لمنع تسرب الوثائق المحمية إلى المخرجات الذكية. لكن التحدي الأمني لا يقف عند حدود النماذج الحالية، إذ يتزامن اندفاع الذكاء الاصطناعي المؤسسي مع سباق موازٍ للاستعداد لعصر الحوسبة الكمومية وقدرتها الفائقة على فك التشفير التقليدي.

أظهرت دراسة مسحية شملت 125 قائداً في مجالات التقنية والأمن والامتثال داخل الإمارات والسعودية وقطر، ونشرتها شركة «كوانتوم جيت» بالتعاون مع مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات وبدعم من مركز التشفير الوطني ومعهد الابتكار التكنولوجي، أن 64 بالمئة من المؤسسات المشمولة بالاستطلاع رصدت ميزانيات مخصصة لمبادرات أمان ما بعد الحوسبة الكمومية. كما شرعت 35 بالمئة منها في حصر مواقع التشفير عبر عملياتها وتحديد الخوارزميات المعرضة للاختراق، في حين يمتلك 42 بالمئة منها خطة محددة للانتقال نحو بنية تشفير أكثر أماناً، ويمتلك 66 بالمئة منها رؤية واضحة لآليات التشفير المستخدمة حالياً.

الاستعداد المبكر يمثل ضرورة ملحة لمواجهة خطر جمع البيانات المشفرة اليوم لتخزينها واختراقها لاحقاً فور نضوج الحواسيب الكمومية.

الأمر الأكثر دلالة في نتائج الاستطلاع، الذي شملت عيّنته جهات توظف ثلثاها ألف شخص على الأقل، تمثل في تأكيد 98 بالمئة من القادة المشاركين على ضرورة خضوع أنظمة التشفير لحوكمة وطنية أو إدارة محلية كاملة، ما يجعل السيادة والتحكم المحلي شرط شراء أساسياً لا تهاون فيه عند اختيار الحلول التقنية.

هذا التحول يفرض إعادة تشكيل مباشرة لأولويات من يدير البنية التحتية أو يشرف على الامتثال في الخليج والمحيط الإقليمي. لم يعد مجدياً إصدار قرارات حظر عشوائية لمنصات الذكاء الاصطناعي، فالأرقام تثبت أن أدوات العمل تسبق القرارات الإدارية، ما يفرض عليك كمسؤول تقني نقل التركيز إلى عزل البيانات محلياً واعتماد معايير استرجاع وتدقيق صارمة للبيئات غير المهيكلة. كما أن اشتراط السيادة المحلية بنسبة تقارب الإجماع يعني استبعاد الموردين والمنصات السحابية الدولية التي تعجز عن تقديم نماذج مشفرة ومحكومة وطنياً، مما يرفع كلفة الحلول الهجينة ويرغم الفرق الهندسية على اكتساب مهارات التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية قبل أن يصبح التحول مسألة إلزام تنظيمي مفاجئ.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد