تخطَّ إلى المحتوى

«سدايا» و«اليونسكو» في الرياض: نقل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تشريعات تحدد المسؤول عن أخطاء النظم

شارك المقال
«سدايا» و«اليونسكو» في الرياض: نقل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تشريعات تحدد المسؤول عن أخطاء النظم
الصورة: Thomas Delacrétaz / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تنطلق في الرياض أعمال النسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، في أول انعقاد له داخل دولة عربية، بتنظيم مشترك بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» ومنظمة «اليونسكو»، وبالتعاون مع المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي «ICAIRE» واللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم. يجمع المنتدى أكثر من 1200 مشارك وما يزيد على 100 متحدث عبر 30 جلسة، موجهًا دعوته إلى ممثلي 194 دولة، ليدشن مرحلة مختلفة في مسار حوكمة التقنية، تتجاوز صياغة التوصيات النظرية إلى بناء سياسات وتشريعات وممارسات تنفيذية قابلة للمساءلة.

يأتي هذا الانعقاد امتدادًا لمسار دولي بدأ عام 2021 بإقرار إطار مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لدى منظمة اليونسكو، وهو الإطار الذي تبنته أكثر من 134 دولة وكانت المملكة من أوائل المبادرين إليه. لكن الفارق الجوهري في نقاشات هذه الدورة يكمن في اختبار فاعلية تلك المبادئ أمام التطور المتسارع للنماذج، وطرح السؤال الأكثر تعقيدًا في أروقة الحوكمة اليوم: تحديد الجهة أو الشخص المسؤول نظاميًا عند ارتكاب أنظمة الذكاء الاصطناعي للأخطاء. لم تعد المسألة مجرد حديث عن الشفافية أو حماية الأفراد بصيغ عامة، بل الانتقال إلى معايير تقييم دقيقة تُقنن استخدام التقنية داخل الجهات الحكومية والقطاعات الحيوية، وتحدد مساحات التدخل البشري والمسؤولية المباشرة عن النتائج.

وفي هذا السياق، شدد المتحدث الرسمي لهيئة «سدايا» المهندس سعيد الشهراني على معادلة حاكمة مؤداها أن تزايد ذكاء الأنظمة يفرض طرديًا اتساع نطاق المسؤولية عن توظيفها، مؤكدًا أن مسؤولية الاستخدام الأخلاقي لم تعد محصورة في الحكومات والقطاع الخاص وحدهما، بل باتت تشمل البنية المجتمعية كاملة. وتستعرض المملكة خلال جلسات المنتدى تجربتها الوطنية في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية، في مسعى لربط ضوابط النزاهة وحماية حقوق الإنسان بمستهدفات التحول الرقمي ضمن رؤية 2030، وبما يوازن بين سرعة النشر والحفاظ على الثقة المجتمعية في مخرجات الخوارزميات وتطبيقاتها اليومية.

الانتقال من التوصيات النظرية إلى التشريعات الملزمة وتحديد المسؤوليات ينعكس بصورة مباشرة على بيئة الأعمال التقنية في الخليج ومصر والمنطقة عمومًا. فعندما تتحول أخلاقيات النماذج إلى أطر تنظيمية تُحدد بوضوح من يتحمل الخطأ الخوارزمي، يتغير تلقائيًا نموذج تقييم المخاطر لدى الشركات الناشئة والمؤسسات المالية ومطوري البرمجيات. لم يعد بإمكان الفرق البرمجية تسليم حلول ذكاء اصطناعي أو وكلاء مؤتمتين يعملون كصناديق سوداء دون مسار واضح للتدقيق وقابلية التفسير وتوثيق مبررات القرارات، لأن المسؤولية القانونية والمالية ستلاحق الجهة المطورة أو المشغلة فور وقوع أي ضرر أو تراجع في الأداء، لا سيما في المشاريع الحكومية والقطاعات الخاضعة لرقابة تنظيمية مشددة.

وعلى الصعيد العملي والتنفيذي، يفرض هذا المسار على مديري التقنية والمستشارين القانونيين في المؤسسات الإقليمية مراجعة فورية لاتفاقيات مستوى الخدمة وعقود شراء النماذج، بحيث تتضمن بنودًا واضحة تحدد نسب التبعات عند انحراف مخرجات النماذج أو انتهاك الخصوصية. كما يرفع هذا التوجه التنظيمي من الطلب على مهارات هندسة التحقق والامتثال والتدقيق الحسابي على البيانات، وهي تخصصات لم تكن تحظى بأولوية قصوى في السابق لكنها تغدو الآن شرطًا لازمًا لاجتياز اشتراطات التوريد والمناقصات الكبرى. إن وضوح قواعد المساءلة يزيل التردد الذي كان يكبل بعض الجهات في تبني التقنيات المتقدمة، ويجعل الالتزام بالأخلاقيات ميزة تشغيلية وتنافسية تضمن استدامة الحلول في أسواق المنطقة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد