«سلطنة عمان توجه بوصلة الاقتصاد الرقمي نحو الذكاء الاصطناعي ومستهدف 3.9 مليارات دولار»
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تنتقل سلطنة عمان إلى المرحلة التنفيذية الثانية من خطتها للاقتصاد الرقمي الممتدة حتى عام 2030، واضعة الذكاء الاصطناعي في قلب معادلة النمو الاقتصادي بهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.5 مليار ريال عماني، ما يعادل نحو 3.9 مليارات دولار. هذه الخطوة، التي أعلنت تفاصيلها وكالة الأنباء العمانية، لا تكتفي برسم أهداف طموحة، بل تضع التزامات محددة لجذب 300 مليون ريال عماني من الاستثمارات التقنية المباشرة، وتوليد ثلاثة آلاف فرصة عمل سنويًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
المسار العماني، كما بيّن غالب بن سعيد المعمري، وكيل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، يركز في مرحلته الراهنة بين عامي 2026 و2030 على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والحلول الذكية لتحسين الكفاءة التشغيلية للمؤسسات الوطنية، وتحديدًا الشركات الصغيرة والمتوسطة. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية متدرجة عبر أربع مراحل؛ إذ تتولى المرحلة الثالثة بين 2031 و2035 ترسيخ الصناعات الرقمية الوطنية وبناء قواعدها الذاتية، في حين تكرس المرحلة الرابعة بين 2036 و2040 لتوسيع الصادرات الرقمية وتعزيز القدرة التنافسية للسلطنة عالميًا.
المؤشر الأكثر تعبيرًا عن التحول الهيكلي لم يكن مجرد رصد أرقام الاستثمار، بل القفزة المسجلة في توطين الوظائف التقنية. فقد أوضح علي بن عامر الشيذاني، وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن نسبة التعمين في قطاع التكنولوجيا ارتفعت لتصل إلى 46 بالمئة في عام 2026، مقارنة بنحو 33 بالمئة فقط في عام 2022. هذه القفزة التي بلغت 13 نقطة مئوية خلال أربع سنوات تعكس توجيهًا حكوميًا مباشرًا لإحلال الكفاءات المحلية في صلب إدارة وتشغيل البنية الرقمية، بدل الاكتفاء باستهلاك الحلول المستوردة.
تأتي هذه التحركات في سياق إقليمي أوسع تستثمر فيه صناديق دول مجلس التعاون الخليجي عشرات المليارات من الدولارات في أشباه الموصلات المتقدمة ومراكز البيانات الضخمة وحزم البرمجيات التابعة لها. غير أن المقاربة العمانية تركز مبكرًا على كفاءة الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة ودمجها في منظومة الإنتاج الرقمي، مع إعطاء أولوية واضحة للتدريب والتشغيل الوطني قبل الانتقال إلى التصدير الصناعي في المراحل اللاحقة.
ما الذي يتغير عمليًا أمام مطوري البرمجيات والشركات التقنية في الخليج ومصر والشام؟ على مستوى التوسع التجاري، يفرض الصعود المتسارع لنسب التعمين في عمان، جنبًا إلى جنب مع مستهدف خلق 3 آلاف وظيفة متخصصة سنويًا، على الشركات الإقليمية مراجعة استراتيجيات الدخول إلى مسقط؛ فالنماذج القائمة على تقديم الخدمات من بُعد أو الاستعانة بفرق متنقلة تفقد جاذبيتها لصالح التأسيس الفعلي وبناء فرق محلية داخل السلطنة. ومن ناحية حلول الأعمال، فإن تركيز خطة مسقط على رفع إنتاجية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأدوات الذكاء الاصطناعي يفتح بابًا لبرمجيات الأتمتة الإقليمية التي تخاطب متطلبات العمل المحلية، شريطة أن تقدم قيمة تشغيلية مباشرة تبرر الإنفاق وتتماشى مع المعايير الوطنية.
نرى في هيئة التحرير أن إعلان مسقط يضع رهانًا صريحًا على بناء القدرة الذاتية المستدامة؛ فالعبرة في المرحلة المقبلة تقاس بقدرة هذه المستهدفات على تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي والكوادر الوطنية إلى ركيزة تصدير متماسكة مع حلول عام 2040.