«شات جي بي تي سايبر» يربك أمن السحابة: فحص لينكس يضاعف أعباء فرق الدفاع
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
لم يحتج ماكس جوستيتز، الشريك المؤسس والرئيس التقني لشركة «تشارج روبوتكس»، سوى ساعتين وبضعة آلاف من الدولارات ليوجه نموذج الذكاء الاصطناعي نحو شيفرة برمجية قديمة في نظام «أوبونتو»، ليعود النموذج بثغرة أمنية شديدة الخطورة تسمح بالسيطرة الكاملة على الخوادم. هذه التجربة التي كشفت عنها شركة «أوبن إيه آي» لم تكن سوى واجهة لحدث أوسع؛ إذ أعلنت الشركة إطلاق نموذجها المتخصص الجديد «شات جي بي تي سايبر» (ChatGPT Cyber)، وأتاحته للمستوى الأعلى ضمن برنامجها الأمني الموجه للباحثين الهجوميين لاصطياد الثغرات وتطويرها.
الأرقام الأولية التي أعلنتها الشركة توضح حجم التحول؛ فقد استخدمت النموذج نفسه لفحص نواة نظام «لينكس» وإعداد ترقيعات برمجية لها، ما أسفر عن رصد 948 ثغرة محتملة في النواة التي تدير معظم البنية التحتية الرقمية حول العالم، إلى جانب العثور على 81 ثغرة غير مسبوقة في متصفح «فايرفوكس». هذا التدفق الكثيف من الثغرات يضع حراس الأنظمة أمام جبل من المهام العاجلة التي تتجاوز طاقتهم البشرية والمالية. ورغم إعلان الشركة عن مبادرة بقيمة مليار دولار لدعم المتخصصين العاملين في حماية المنشآت الحساسة كشبكات الكهرباء والمياه، فإن الواقع الميداني يكشف فجوة حادة بين وتيرة الاكتشاف الآلي وقدرة المدافعين على الاستجابة.
المفارقة المالية والتقنية تظهر بوضوح في أولويات الإنفاق؛ إذ أوضح إريك والاس، الباحث في الفريق التقني لشركة «أوبن إيه آي»، أن الشركة تخصص قدرًا كبيرًا من قدراتها الحوسبية المتقدمة لفحص البرمجيات مفتوحة المصدر وترقيعها بالمجان. لكن عملية صيد ثغرات «لينكس» برمتها لم تكلف سوى 1.2 مليون دولار، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بنحو ستة ملايين دولار أنفقتها الشركة على الرموز الحاسوبية لمحاولة حل مسألة رياضية واحدة في ديناميكا الموائع. في الوقت ذاته، يواجه برنامج المدافعين انتقادات عملية متزايدة؛ فقد أشار جوستيتز إلى أن الشركة قيدت قدرات نسختها الموجهة للدفاع للحد من إساءة الاستخدام، بينما لا يشارك في البرنامج سوى بضعة آلاف من المتخصصين، في مواجهة أعداد هائلة من المهاجمين المحتملين القادرين على تسخير نماذج مفتوحة الأوزان جرى تجريدها بالكامل من الضوابط الأمنية.
هذا الاختلال في معادلة الهجوم والدفاع ينعكس مباشرة على غرف العمليات الرقمية في المنطقة؛ إذ تعتمد مراكز البيانات الوطنية، والمصارف الخليجية، وشركات الاتصالات والخدمات الحكومية في مصر والمشرق العربي بصورة شبه تامة على توزيعات «لينكس» لتشغيل بنيتها السحابية. قدرة مهاجم مبتدئ على استخراج ثغرات حرجة بتكلفة لا تتجاوز خمسة آلاف دولار تلغي فعليًا جدوى دورات الترقيع اليدوية المتباعدة. لم يعد بإمكان المسؤول التقني هنا الانتظار لأسابيع لمراجعة التحديثات الأمنية المعتادة، بل بات لزامًا إعادة توجيه الميزانيات نحو أدوات التحقق الآلي المستمر، واكتساب مهارات متقدمة في فحص الشيفرات بالنماذج الذكية، تحسبًا لموجة استغلالات وشيكة تستهدف الأكواد المهملة قبل أن تصدر لها ترقيعات رسمية.
إن فتح هذا الباب يفرض سباقًا محمومًا مع الزمن لحماية البنية الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي؛ فالنافذة الزمنية المتاحة لترقيع الثغرات تضيق بسرعة مع تزايد كفاءة النماذج وانخفاض تكلفة تشغيلها. وإذا كانت المختبرات الكبرى قادرة على رصد مئات العيوب في ساعات معدودة، فإن المعيار الحقيقي للأمان لن يُقاس بعدد الثغرات المكتشفة، بل بقدرة فرق التشغيل المحلية على تثبيت الترقيعات وسد المنافذ قبل أن تتحول تلك التقارير البرمجية إلى أدوات اختراق تخترق الخوادم الحيوية.