زلزال التجديد النصفي الأمريكي يضرب وول ستريت: تجميد مراكز البيانات يشعل مخاوف التباطؤ
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
خسرت أسواق المال الأمريكية تريليونات الدولارات في جلسة تداول واحدة، بعدما كشفت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة عن تحول سياسي وتشريعي يهدد وتيرة التوسع في حوسبة الذكاء الاصطناعي. هبط مؤشر «ناسداك» المركب بأكثر من 5.5 بالمئة، فاقدا نحو 2.5 تريليون دولار من قيمته السوقية في أسوأ أيامه منذ عام 2025، ليدخل رسميا نطاق التصحيح بعد انخفاضه بأكثر من 10 بالمئة عن ذروته الأخيرة. وتزامن هذا الهبوط مع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الشيوخ والنواب، عقب حملات انتخابية تبنت صراحة كبح التوسع السريع لمراكز البيانات والحد من استنزافها للطاقة وشبكات الإمداد.
لم يتوقف النزيف عند المؤشر العام، بل تركزت الضربات الأعنف في قلب سلسلة التوريد الصلبة للتقنية. فقدت شركة «إنفيديا» أكثر من 9 بالمئة من قيمتها السوقية، وهو ما يوازي تبخر 400 مليار دولار، بينما هوت أسهم «إيه إم دي» و«مايكرون» بأكثر من 17 بالمئة، وتراجعت «إنتل» بنسبة 10.3 بالمئة، وانزلقت «سانديسك» بأكثر من 22 بالمئة. هذا الانهيار دفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي يرصد أداء أكبر ثلاثين شركة مصنعة للرقائق، إلى التراجع بأكثر من 12 بالمئة. وفي السياق نفسه، هبطت أسهم شركتي «تسلا» و«سبيس إكس» التابعتين لإيلون ماسك بنحو 11 بالمئة و8 بالمئة على التوالي، لتخسرا معا أكثر من 300 مليار دولار، على الرغم من إنفاق ماسك نحو 450 مليون دولار لدعم الحملات الانتخابية للجمهوريين، بما في ذلك 45 مليون دولار لمقعد تكساس في مجلس الشيوخ الذي حسمه الديمقراطيون. وإجمالا، خسرت أسهم الشركات السبع الكبرى، بما فيها «أبل» و«إنفيديا» و«تسلا»، تريليون دولار في يوم تداول واحد.
تجاوز هذا الهبوط تقلبات التداول اليومية المعتادة، ليصطدم بالسؤال المؤجل حول الجدوى الاقتصادية للمبالغ الهائلة التي ضختها كبرى الشركات في البنية التحتية دون عوائد موازية. وفي ولاية تكساس، فازت المرشحة الديمقراطية لمنصب الحاكم جينا هينوهوسا بعدما قادت حملة ركزت على وقف تراخيص مراكز البيانات الجديدة، بينما طالب السيناتور بيرني ساندرز بفرض تجميد وطني فوري على بنائها، مؤكدا أن الأمريكيين يرفضون استنزاف البيئة والوظائف. وفي المقابل، حمّل الرئيس دونالد ترامب خصومه السياسيين مسؤولية التراجع، معتبرا إياه مؤشرا سلبيا تسببت فيه نتائج الانتخابات، ومؤكدا أن السوق ستعود لتصبح أكبر وأقوى من قبل.
فوجئت قيادات وادي السيليكون بحجم الغضب الشعبي الذي ترجمته صناديق الاقتراع ضد مراكز البيانات. اعترف غريغ بروكمان، الشريك المؤسس ورئيس «أوبن إيه آي»، خلال مؤتمر وول ستريت جورنال للتقنية في كاليفورنيا، بأن القطاع لم يتوقع رد الفعل العنيف في المجتمعات المحلية، موضحا أن بناء البنية التحتية في تكساس وجورجيا لم يعد يتحقق بتغريدات من سان فرانسيسكو، بل يتطلب الوجود الميداني في تلك المجتمعات وإقناعها. وفي المؤتمر نفسه، دعت دينا باول ماكورميك، رئيسة «ميتا»، إلى مضاعفة الجهود لإقناع الجمهور بجدوى الذكاء الاصطناعي، في وقت أشارت فيه سوزانا ستريتر، استراتيجية الاستثمار في «ويلث كلوب»، إلى أن الهلع في وول ستريت يعكس تصادم المخاوف بشأن العوائد المتأخرة مع احتمال تباطؤ حاد في تشييد مراكز البيانات.
هذا التحول التشريعي في واشنطن يعيد ترتيب أولويات المشهد التقني في الشرق الأوسط. فالمؤسسات والشركات في الخليج ومصر التي تعتمد على استئجار السعات الحاسوبية من مراكز البيانات الأمريكية تجد نفسها أمام واقع جديد، إذ إن أي تجميد أو تعثر في بناء مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة، بالتزامن مع تذبذب أسعار الطاقة وارتفاع كلفة التشغيل هناك، سينعكس مباشرة على تسعير خدمات الاستدلال السحابية وعقود استضافة النماذج للمنطقة. كما أن هذا التباطؤ الغربي يعزز جدوى المشاريع الإقليمية الساعية لتوطين مراكز البيانات وضمان استقلال بنيتها الحوسبية، ويفرض على قادة التقنية العرب تحصين خططهم التشغيلية ضد اختناقات العرض وتقلبات السياسة الخارجية.