«بلو فايف» تتراجع عن استثمار الذكاء الاصطناعي: خمسة آلاف شركة ناشئة مهددة بالانهيار
في الوقت الذي تتسابق فيه الصناديق العالمية لضخ السيولة في قطاع الذكاء الاصطناعي، اختارت شركة استثمارية كبرى من قلب أبوظبي أن تقف على مسافة حذرة. أعلنت «بلو فايف كابيتال» عزمها كبح استثماراتها في الذكاء الاصطناعي نتيجة تصاعد المخاطر المحيطة بالقطاع، محذرة من أن آلاف الشركات الناشئة تتجه نحو انهيار جماعي وشيك. ولم يتردد رئيسها التنفيذي حازم بن قاسم، على هامش مؤتمر «بوابة الخليج» الاستثماري في البحرين، في تأكيد رغبته في التراجع إلى المقاعد الخلفية وتجنب الاندفاع في جولات تمويل جديدة، واصفا الاستثمار في هذا المضمار بأنه بات عالي المخاطر بدرجة غير مبررة.
تنطلق هذه الرؤية من مقارنة تاريخية صريحة مع فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات، والتي تبخرت خلالها خمسة تريليونات دولار من القيمة السوقية مع انفجار تقييمات شركات الإنترنت المضاربية. ويتوقع بن قاسم تكرار السيناريو نفسه مع شركات الذكاء الاصطناعي، مرجحا أن ينهار نحو خمسة آلاف مشروع ناشئ من أصل ستة آلاف شركة قائمة عالميا، بحيث لا ينجو من غربال التصحيح سوى نحو ألف شركة فقط. الاستثمار لم يعد يواجه تحديا تقنيا منفردا، بل حزمة متشابكة تجمع مخاطر الأعمال، وبطء التبني التشغيلي في المؤسسات، وتقلبات أسواق المال.
ما يمنح هذا التحذير ثقله الخاص هو موقع الجهة الصادرة عنها. تأسست «بلو فايف كابيتال» في أبوظبي أواخر عام 2024 على يد بن قاسم، الرئيس التنفيذي المشارك السابق لشركة «إنفستكورب» البحرينية، وتدير اليوم أصولا تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار تتوزع بين الملكية الخاصة والعقارات والخدمات المالية. وتضم محفظتها بالفعل حصصا في شركات ذكاء اصطناعي، من بينها «أوريجين تكنولوجي» وشركة «كلينغ إيه آي» الصينية التي قادت لها جولة تمويلية بقيمة 3 مليارات دولار في يوليو الماضي، إلى جانب استثمارات في صانعة السيارات «بوغاتي ريماك» وقطاع النقل الإماراتي. هذا الحذر يأتي إذن من مستثمر خاض جولات التمويل الكبرى بنفسه وخبر حساباتها الدقيقة.
يأتي إعلان «بلو فايف» في لحظة تشهد مفارقة حادة في حركة رؤوس الأموال الإقليمية؛ إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن الإمارات والسعودية وقطر التزمت بضخ 120 مليار دولار في استثمارات الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، تركزت بالأساس على مراكز البيانات والبنية التحتية، ودعم مختبرات عالمية مثل «أنثروبيك» و«إكس إيه آي» التابعة لإيلون ماسك، بينما يسعى مجمع «سوفت بنك» لجمع 100 مليار دولار إضافية من مستثمري الخليج. وفي الأسبوع نفسه، التقى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان في مؤتمر «أديبك» للطاقة لتوقيع أربع وثائق تشمل مجالات الحكومة والطاقة والاستثمار، لترسيخ الروابط مع الإمارة التي دعمت شركته عبر صندوق «إم جي إكس» في 2024 واشترت أسهما إضافية في 2025 بتقييم بلغ 500 مليار دولار، في حين وافقت «ألفا ظبي القابضة» في أكتوبر على ضخ مليار دولار في صندوق «ألفا ويف 3» الموجه للتقنيات التحويلية.
لكن المؤشرات المقلقة بدأت تتراكم في أسواق الأسهم والتقييمات الخاصة. فقد أدرجت شركة «سبيس إكس» أسهمها في يونيو لتشهد تراجعا بربع قيمتها قبل أن تتعافى، بينما أرجأت «أوبن إيه آي» طرحها العام إلى عام 2027، في حين قدمت «أنثروبيك» نشرة إدراجها الشهر الماضي بتقييم متوقع يبلغ تريليوني دولار. هذه الأجواء دفعت مو جودت، المسؤول التنفيذي السابق في غوغل والمستشار لحكومات خليجية، إلى تأكيد مخاوف بن قاسم، مصرحا بأن القطاع يعيش فقاعة قد تنفجر خلال العام المقبل، ومحذرا من أن معظم الاستثمارات تعتمد على رافعات مالية قادرة على سحب السوق بأكمله إلى الهبوط.
هذا التحول يعيد رسم خريطة الطريق أمام المؤسسين والمديرين التنفيذيين في الخليج ومصر والشام. السيولة السيادية المليارية المتدفقة نحو البنية التحتية ومحطات الطاقة ومراكز المعالجة لن تتدفق بالسهولة نفسها نحو طبقة التطبيقات والبرمجيات الخفيفة. إذا كنت تدير شركة ناشئة في الرياض أو القاهرة أو عمّان تعتمد على واجهات برمجية وسيطة لنماذج جاهزة، فإن نافذة التمويل السهل المبني على التقييمات التفاؤلية توشك على الإغلاق، والمطلوب اليوم هو بناء إيرادات فعلية وحلول متجذرة في العمليات الصناعية أو المصرفية المحلية. وعلى الجانب الآخر، يتحتم على قيادات التحول الرقمي في المصارف والشركات الإقليمية التدقيق في استقرار مزودي برمجيات الذكاء الاصطناعي، لتفادي ربط الأنظمة الحساسة بشركات ناشئة قد تتبخر فجأة مع انحسار موجة التمويل.