تخطَّ إلى المحتوى

صناديق الاقتراع الأمريكية تحاصر مراكز البيانات: توسع «ميتا» يواجه مقاومة المجتمعات المحلية

شارك المقال
صناديق الاقتراع الأمريكية تحاصر مراكز البيانات: توسع «ميتا» يواجه مقاومة المجتمعات المحلية
الصورة: shraga kopstein / Unsplash

لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي محصورة في سباق الخوارزميات، بل انتقلت مباشرة إلى صناديق الاقتراع والمجتمعات المحلية. اعترفت رئيسة شركة «ميتا» دينا باول ماكورميك، خلال مشاركتها في مؤتمر «وول ستريت جورنال تك»، بأن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وفوز الديمقراطيين سيجعلان بناء مراكز البيانات مهمة أكثر صعوبة، مؤكدة أن قطاع التقنية لم ينجح بالقدر الكافي في شرح العوائد الحقيقية لتلك الاستثمارات الضخمة. المشكلة بحسب ماكورميك لا تقتصر على الجوانب الهندسية، إذ إن الواجهة المرئية الملموسة للذكاء الاصطناعي هي مركز البيانات، وهو الكيان المادي الوحيد الذي يستطيع السكان الإشارة إليه ورفض وجوده داخل أحيائهم ومدنهم، مما يجعل معارضة هذه المنشآت تعبيرا مباشرا عن القلق العام المتصاعد تجاه مسار التقنية ككل.

تجد «ميتا» نفسها في موقف دفاعي بعد عقدين من بناء البنية التحتية للحوسبة لتغذية شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تملك حاليا منشآت في 23 ولاية أمريكية، وتخطط لخمسة مشروعات عملاقة تتجاوز سعة كل منها غيغاوات واحد، من بينها مشروع رئيسي في ولاية تكساس. ومع تصاعد البرامج الانتخابية المناوئة لمراكز البيانات، باتت الشركة تخشى خسارة جزء من استثماراتها إذا استمر الرفض الشعبي. هذا الواقع فرض على «ميتا» صياغة نموذج تفاوضي جديد لإقناع المجتمعات المحلية، يقوم على تحمل الشركة كامل تكاليف استهلاكها من الكهرباء، وتوجيه فوائض العائدات الضريبية الناتجة عن المنشآت نحو دعم رواتب المعلمين وفرق الطوارئ المحلية، مع حصر فرص العمل التشغيلية في الكفاءات المقيمة بالمنطقة، وضمان دعم سياسي عابر للحزبين قبل وضع حجر الأساس لأي مشروع جديد.

خلف هذا الصراع على الأرض والطاقة، تقف رهانات «ميتا» التجارية على توسيع انتشار وكيلها الذكي الاستهلاكي «ميوز»، الذي تتطلع لنقله من قاعدته الحالية البالغة 10 ملايين مستخدم ليخدم مليارات البشر حول العالم. لكن حتى لو تعثر هذا الهدف الاستهلاكي، ترى قيادة الشركة أن مليارات الحوسبة لن تذهب سدى؛ فالقدرة الحوسبية بحد ذاتها تحولت إلى أصل استثماري سائل، حيث تتلقى الشركة اتصالات يومية من أطراف تجارية تسعى لاستئجار قدراتها الحوسبية الفائضة، مما يضمن لها مسارا ماليا واضحا لتحقيق الإيرادات عبر تأجير الخوادم وشبكات التوليد التي بنتها.

يحمل هذا التراجع في البيئة التشغيلية الأمريكية دلالة استراتيجية مباشرة لصناع القرار وفرق البنية التحتية السحابية في الخليج ومصر والمشرق العربي. ففي الوقت الذي تتعطل فيه توسعات السحب الغربية بفعل ضغوط شبكات الكهرباء ومقاومة المجتمعات المحلية لمراكز الحوسبة الفائقة، تكتسب مبادرات الحوسبة السيادية في المنطقة ميزة تنافسية حاسمة لاستقطاب أعباء العمل العالمية، شريطة استيعاب الدرس الأمريكي مبكرا. بناء مراكز الحوسبة الضخمة لا يمكن أن يدار كمعاملة عقارية أو ترخيص خدمات صامت؛ فاستدامة المنشآت تتطلب ربطا واضحا بين استهلاك الطاقة والتنمية المجتمعية المباشرة، وحماية إمدادات الكهرباء المحلية، وتوليد وظائف تقنية للمواطنين لضمان القبول الشعبي طويل الأجل، وتفادي ارتهان القدرة الحوسبية المحلية لمراكز بيانات أجنبية باتت توسعاتها رهينة التجاذبات الانتخابية.

انتهى زمن التوسع الحوسبي غير المرئي. ومع خضوع مشروعات مراكز البيانات لمراجعات مجتمعية أكثر صرامة وموازنة مستمرة مع رغبات الناخبين، يثبت المشهد الحالي أن العائق الأكبر أمام توسع الذكاء الاصطناعي لم يعد وفرة السيولة أو تطور الرقائق، وإنما القدرة على كسب القبول الاجتماعي للكتل الخرسانية ومحطات التوليد التي تغذيها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد