«بين زلة صياغة الوثيقة وفرض مسمى الذكاء الفائق: كواليس ميثاق واشنطن الطوعي»
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
كشفت وثيقة التعهد المشترك التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة كبرى شركات التقنية في البيت الأبيض عن تفاصيل لافتة عكست وتيرة إعدادها المتعجلة، إذ ظهرت عبارة «Unites States» بخطأ إملائي بدلاً من «United States» في صورة الاتفاق الموقّع التي نشرها ترامب عبر منصة «تروث سوشيال». وجاء هذا الخطأ الطباعي مباشرة أسفل توقيع الرئيس الأمريكي، في حين كُتبت أسماء بقية الموقعين وشركاتهم بصورة صحيحة، وهو الخطأ الذي كان الصحفي مات نوفاك من «جيزمودو» من أوائل من رصدوه علناً، ليعكس المشهد جانباً من كواليس الاتفاق المسمى «الالتزام المشترك بشأن مسؤوليات النماذج المتقدمة».
جاء توقيع الوثيقة تتويجاً لاجتماع ضم شخصيات محورية في صناعة الذكاء الاصطناعي، من بينهم مارك زوكربيرغ رئيس شركة «ميتا»، وجنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، وداريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك». وجاء هذا التجمع بعد أسابيع قليلة من دعوات أطلقها كل من سام ألتمان رئيس «أوبن إيه آي» وأمودي وإيلون ماسك للمطالبة بإبطاء وتيرة التقدم في تطوير النماذج، وهي الدعوات التي قوبلت برفض قاطع ومباشر من ترامب وهوانغ. وكان ترامب قد أكد موقفه سابقاً بالتشديد على أن بلاده هي الدولة الأكثر تطوراً في العالم وأنه يريد الحفاظ على هذه المكانة، انطلاقاً من مبدأ أن من ينتصر في سباق الذكاء الاصطناعي ينتصر في كل شيء.
يمثل التعهد الجديد نقطة التقاء وسطى بين الاندفاع التجاري ومخاوف السلامة، حيث ترسم الوثيقة مسارات تلزم الشركات التي تدرب النماذج المتقدمة وتنشرها بالعمل على ضمان تصرف هذه التقنيات وفق ما هو مقصود منها، والتأكد من رصد أي مشكلات وحلها على الفور. وتتضمن البنود تشكيل مجلس مستقل للرقابة واعتماد ضوابط تدقيق داخلية. غير أن السمة الأبرز لهذا الاتفاق تكمن في كونه تعهداً طوعياً بالكامل، يفتقر إلى أي عواقب قانونية أو تبعات تنظيمية في حال تراجعت أي شركة عن بنوده أو أخلت بها. ورغم ذلك، وصف زوكربيرغ في مؤتمر صحفي أعقب الاجتماع هذا التوافق بأنه مجرد بداية يمكن للصناعة بأكملها اللحاق بها، معتبراً ما دار في البيت الأبيض محادثة تاريخية.
وفي خطوة متزامنة تكشف الرؤية الإدارية الجديدة للتسابق التقني، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يُلزم جميع الإدارات والوكالات الحكومية بتغيير الصياغة الرسمية المعتمدة، والانتقال من استخدام مصطلح «الذكاء الاصطناعي» إلى مصطلح «الذكاء الفائق» أو الرمز اختصاراً بالحرفين «SI». وتوضح هذه الخطوة مسعى الإدارة الأمريكية نحو فرض خطاب تفوق حاسم على المستوى الاتحادي، وتحويل التقنية من مجرد أدوات برمجية إلى بنية تنافس قومية تعلو فوق معايير الحذر التنظيمي المعتادة.
ونرى أن هذا التحول في واشنطن يفرض على مديري التقنية وقادة الأعمال في الخليج ومصر والمنطقة العربية إعادة تقييم واقعية لخطط الاعتماد على النماذج الغربية المتقدمة. فعندما تكتفي الإدارة الأمريكية بمواثيق طوعية ومجالس رقابة داخلية خالية من الإلزام القانوني، فإن ذلك يعني عملياً أن مسؤولية التحقق والتدقيق الأمني تنتقل بالكامل إلى الجهة المستفيدة محلياً. لم يعد بإمكان مصرف في الرياض أو جهة حكومية في أبوظبي أو شركة ناشئة في القاهرة التعامل مع مزاعم السلامة الصادرة عن المختبرات الأمريكية باعتبارها خاضعة لرقابة اتحادية صارمة. وبدلاً من ذلك، يتطلب هذا الواقع تعزيز قدرات الفرق التقنية المحلية في فحص سلوك النماذج والوكلاء واختبارها بشكل مستقل قبل دمجها في البنى التشغيلية الحساسة، لضمان استقرار العمليات دون الركون إلى ضمانات معنوية غير ملزمة قانوناً لصناعها.