«حرب استخبارات وكلاء البرمجة: اتهام مستشار فاكتوري بالتسريب لصالح كوجنيشن يختبر حوكمة وادي السيليكون»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تفجرت مواجهة علنية غير مألوفة في قطاع وكلاء الذكاء الاصطناعي الموجهين للبرمجة، بعدما أعلن ماتان غرينبرغ، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «فاكتوري»، إقالة مستشار مجلس إدارتها كريس ديغنان بتهمة تسريب معلومات سرية إلى المنافس الأبرز «كوجنيشن» المطورة لوكيل البرمجة «ديفين». وتكتسب الواقعة حساسية استثنائية بالنظر إلى موقع ديغنان كأول مسؤول مبيعات في «سنوفليك» وقضائه أحد عشر عاماً رئيساً للإيرادات فيها، قبل أن يعمل شريكاً في «آر بي تي بارتنرز» المستثمرة في «فاكتوري» ومستشاراً لشركة «آيكونيك».
الرد جاء متسارعاً عبر المنصات الرقمية، إذ أعلن ديغنان بعد ساعتين فقط توليه منصب رئيس الإيرادات في «كوجنيشن»، نافياً إقالته ومؤكداً أنه تقدم باستقالته رافضاً عرضاً بدوام كامل في «فاكتوري». ولم يقف التحول عند انتقال ديغنان الفردي، بل كشف أن صندوق «آر بي تي بارتنرز» وشريكه الإداري تشاد بيتس سيعملان بصورة وثيقة مع «كوجنيشن». وتضع هذه الخطوة علامات استفهام حادة حول حدود السرية وأخلاقيات مجالس الإدارة حين يتحول المستشار المطلع على خريطة الطريق الفنية وسد الفجوات التنافسية إلى قيادي تنفيذي لدى الخصم المباشر بين ليلة وضحاها.
المعركة عكست اتساع الفجوة في موازين القوى الاستثمارية والمالية بين الطرفين؛ فبينما نجحت «فاكتوري» في جمع مئتي مليون دولار بتقييم خمسة مليارات دولار خلال سبتمبر 2026 بدعم من «خوسلا فنتشرز» و«بلاكستون» و«سيكويا كابيتال» و«إنسايت بارتنرز»، وتقديم خدماتها لعملاء كبار مثل «إنفيديا» و«أدوبي»، قفزت «كوجنيشن» إلى تمويل بملياري دولار وتقييم يبلغ ثمانية وأربعين مليار دولار مستندة إلى عقود مع مؤسسات عملاقة تشمل «مرسيدس-بنز» و«ناسا» و«غولدمان ساكس». غير أن هذا التباين لم يمنع الصراع من تمزيق وحدة المستثمرين أنفسهم، إذ دخل فينود خوسلا، المستثمر في الشركتين، مدافعاً عن «كوجنيشن» ووصف «فاكتوري» بأنها منافس متعثر يفتقر إلى السلوك اللائق، في حين هاجم شريكه في الصندوق ذاته كيث رابوا تصرفات ديغنان واصفاً إجراء مقابلات عمل لدى منافس أثناء حضور اجتماعات المجلس بالسلوك المنافي للأعراف المهنية.
سكوت وو، الرئيس التنفيذي لشركة «كوجنيشن»، حاول امتصاص التصعيد بتأكيد عدم اهتمام شركته بأسرار «فاكتوري»، لكن الحادثة تزامنت مع تدقيق أوسع تجريه وزارة العدل الأمريكية بشأن مشاركة شركاء صناديق الاستثمار الجريء، مثل «أندريسن هورويتز»، في مجالس إدارة شركات متنافسة. هذا النزاع يؤكد أن مرحلة النوايا الحسنة وتطبيع تضارب المصالح داخل منظومة الذكاء الاصطناعي بلغت نهايتها، حيث باتت خوارزميات البرمجة المستقلة معركة تجارية شرسة لحسم عقود الشركات الكبرى.
على مستوى أسواق الخليج ومصر والشام، يحمل هذا الصراع ارتدادات عملية مباشرة لقادة التقنية ومسؤولي المشتريات والمستثمرين الإقليميين. إن التنافس المحموم بين «ديفين» والمنصات المنافسة يعني أن تسعير وكلاء البرمجة وشروط الامتثال في طريقها إلى التغير، مما يفرض على مديري تقنية المعلومات في المصارف وشركات الاتصالات الخليجية تدقيق شروط حماية الشيفرات البرمجية والبيانات الحساسة عند إسناد التطوير لوكلاء خارجيين يواجه مطوروهم نزاعات ملكية وأسرار تجارية. ومن جهة أخرى، يضع هذا المشهد صناديق الاستثمار الجريء والشركات الناشئة في الرياض ودبي والقاهرة أمام استحقاق تنظيمي حاسم، يتمثل في تشديد اتفاقيات عدم الإفصاح ومراجعة حوكمة المقاعد الاستشارية، حتى لا تتحول مجالس الإدارة المحلية إلى قنوات تسريب تفرغ الابتكارات الناشئة من قيمتها لصالح الكيانات الأضخم تمويلاً.
ما نراه اليوم يثبت أن بناء وكلاء البرمجة الذاتية لم يعد مجرد سباق نماذج حسابية، بل تحول إلى صراع هيمنة مؤسسية تحكمه استخبارات الأسواق والتحالفات الاستثمارية المعقدة. وإذا كنت تخطط لبناء بيئة تطوير تعتمد على الوكلاء الأذكياء أو تبحث عن استثمار في أدوات هندسة البرمجيات، فإن معيارك القادم لن يقتصر على كفاءة كتابة الكود، بل سيمتد إلى مدى حصانة المنصة قانونياً واستقرار مظلتها التنظيمية في وجه ارتدادات هذه المواجهات الكبرى.