ذكاء التنبؤ بمواسم الحصاد: كاميرات الجرارات والموجات المليمترية تعيدان ضبط كلفة العمالة الزراعية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تختبر المزارع الكبرى تحولاً تشغيلياً دقيقاً يعتمد على الرؤية الحاسوبية ونماذج التنبؤ لتحديد الموعد الدقيق لقطاف المحاصيل، في مسعى لتقليص الهدر وضبط تكاليف استقدام العمالة الموسمية. تكشف تجربة شركة «أوكاناغان سبيشالتي فروتس» في ولاية واشنطن، التي تدير بساتين تفاح تمتد على أكثر من 1250 فداناً، عن حجم التحدي المناخي؛ إذ اضطرت المزرعة في بداية موسم القطاف الماضي إلى إيقاف العمل عند العاشرة صباحاً بعدما بلغت درجات الحرارة 38 درجة مئوية، ما جعل استمرار العمال مستحيلاً وأبرز الحاجة الملحة لنماذج ذكاء اصطناعي تحسب فترات النضج بالربط المباشر مع تقلبات الطقس وساعات العمل المتاحة قبل تلف الثمار.
تعتمد الشركة الأمريكية كاميرات تطورها شركة «فيفيد ماشينز» الكندية، وتُثبت أعلى الجرارات الزراعية لتصوير الأشجار أثناء حركتها. يتولى الذكاء الاصطناعي رصد براعم الأزهار الدقيقة وحساب كميات الثمار، وتقديم تقديرات للحصاد لا يمكن جمعها بالعين المجردة. يوضح مسؤولو المزرعة أن دقة هذه التوقعات لا ترتبط ببيانات عامة مسحوبة من الإنترنت، بل تستلزم تغذية النماذج ببيانات تاريخية خاصة بكل حقل على حدة لبناء نموذج مخصص لطبيعة الإنتاج والتربة.
تتضاعف أهمية هذه الحسابات في المحاصيل الحساسة كالفراولة والتوت؛ فبينما يمتلك مزارع التفاح نافذة حصاد تمتد لنحو ثلاثة أسابيع، لا تتجاوز نافذة قطاف الفراولة بضعة أيام قبل أن تداهمها الأمراض وتتعرض للتلف السريع. تقود شركة «فروتكاست» البريطانية هذا الاتجاه عبر تحليل مقاطع الفيديو الملتقطة بطائرات مسيرة أو هواتف ذكية أو كاميرات مركبات الحقل لمحاصيل التوت بأنواعه والطماطم، مع خطط لإضافة العنب. وتدمج الشركة بيانات الطقس والري لتوقع كميات الإنتاج؛ إذ تؤكد وصول دقتها إلى 90 بالمئة قبل أسبوع من الحصاد، و83 بالمئة قبل ثلاثة أسابيع بهامش خطأ مضمون يقل عن 20 بالمئة، وهي تقنية استخدمها مزارعون مستقلون تابعون لشركات توزيع كبرى مثل «دريس كولز» و«أنغوس سوفت فروتس».
على صعيد الأبحاث المخبرية، تسعى الجامعات إلى خفض التكلفة وتجاوز قياسات السكر التقليدية بمقاييس «بريكس» الضوئية. يطور باحثون في جامعة برينستون أجهزة تعتمد الموجات المليمترية ذات التردد العالي، وهي موجات راديوية تخترق قشرة الثمرة وتتفاعل مع الرطوبة ومحتوى السكر والماء لتحديد النضج دون إتلاف المحصول. وفي المقابل، نجح باحثون في جامعة كارولاينا الشمالية وجامعة فلوريدا في ابتكار برمجيات لعد حبات التوت باستخدام صور الهواتف الذكية أو عبر طائرات مسيرة تجارية لا تتعدى تكلفتها 100 دولار.
هذا التحول التقني يحمل أثراً مباشراً على المشروعات الزراعية الحديثة في الخليج ومصر والأردن، لا سيما في البيئات المحمية ومزارع البيوت الزجاجية المبردة ومشاريع الفواكه التصديرية. إن تبني أدوات الرؤية الحاسوبية منخفضة التكلفة ينقل المزارع العربي من التقدير العشوائي لحاجة العمالة إلى جدولة دقيقة تتفادى موجات الحر الشديدة وتقلل كلفة الهدر. غير أن العقبة الأساسية التي تواجه هذا القطاع، كما يشير ممثلو جمعيات المزارعين في الغرب، تكمن في تردد المنتجين حيال مشاركة بيانات التسميد والري الحساسة تجارياً مع منصات خارجية، ما يفرض على مديري العمليات الزراعية محلياً التحقق من ملكية البيانات وحصر المعالجة داخل النظم الخاصة بالمزرعة قبل تفويض قرارات الحصاد الحساسة للبرمجيات.