تخطَّ إلى المحتوى

كوالكوم تجعل من السعودية محطتها الأولى في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: شراكة لا سقف لها مع «هيومن» وأرامكو

شارك المقال
كوالكوم تجعل من السعودية محطتها الأولى في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: شراكة لا سقف لها مع «هيومن» وأرامكو
الصورة: Humberto Chávez / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

عندما قرر كريستيانو آمون، الرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم»، أن يخطو بشركته نحو سوق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لم تكن الوجهة الأولى وادي السيليكون، ولا سياتل، ولا حتى تايبيه. كانت الرياض. وفي مقابلة حصرية مع «الشرق الأوسط» على هامش «قمة سنابدراجون 2026» في هاواي، كشف آمون أن «هيومن» (HUMAIN) السعودية كانت العميل الأول الذي راهن على رؤية «كوالكوم» لمنتجات مراكز البيانات، شراكة وصفها بأنها أنشأت «رابطة ثقة» تدفع الشركة اليوم لتوسيع استثماراتها ورهانها على اقتصاد الذكاء الاصطناعي في المملكة.

البداية: عميل سعودي يرسم الطريق

رحلة «كوالكوم» نحو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لم تبدأ مع إحدى كبريات شركات الحوسبة السحابية الأمريكية، بل مع شركة سعودية ناشئة تحمل طموح السيادة التقنية. «هيومن»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، أصبحت أول عميل توقع مع «كوالكوم» على تطوير معالجات وبنى تحتية مخصصة لأعباء الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات. هذا الاختيار المبكر، بحسب آمون، لم يكن مجرد صفقة تجارية؛ بل أسس «رابطة ثقة» ورغبة متبادلة في مواصلة الرحلة معاً، وكانت من الأسباب التي دفعت «كوالكوم» لزيادة مواردها وتركيزها في المنطقة.

ما وراء مراكز البيانات: شبكة شراكات متعددة الطبقات

العلاقة اليوم تمتد لتشمل حواسيب شخصية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الصناعي مع «أرامكو»، والهندسة المحلية وتقنيات السيارات، مع أفق مفتوح نحو الروبوتات ومجالات أخرى لم تكن «كوالكوم» تتمتع فيها بالعمق نفسه سابقاً. آمون يصف المشاريع الحالية بأنها «مجرد البداية»، مشيراً إلى «تقاطعات كثيرة» بين ما تبنيه شركته وبين دفع المملكة لتبني التقنيات الجديدة والاستثمار المبكر في اتجاهات تعيد رسم أسواق الحوسبة.

مركز هندسة في الرياض، ومواهب في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات

بعد افتتاح مركز هندسي في الرياض وتوسيع حضور البحث والتطوير، تعمل «كوالكوم» على ترسيخ المملكة بوصفها مركزاً إقليمياً، ساعية لاستقطاب مهندسين متخصصين في الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، ومنصات الحوسبة الحديثة. نطاق الفرص، بحسب آمون، لا يقتصر على المشاريع الجارية في مراكز البيانات، والحواسيب الشخصية، والقطاع الصناعي؛ فهو يحدد الروبوتات وتقنيات السيارات كمنطقتين إضافيتين، ويرى «لا سقف» لفرص الشراكة مع المملكة.

ذكاء فيزيائي: حيث يلتقي الكود بالعالم الحقيقي

أحد المحاور التي يراهن عليها آمون للمرحلة المقبلة هو ما يسميه «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» (Physical AI): أنظمة تتفاعل مع العالم المادي عبر بيانات المستشعرات، والصور، والإشارات التي تولدها المعدات والبيئات الصناعية، مما يتيح استخدامها في المصانع، والطاقة، والروبوتات، والمركبات. هنا تربط «كوالكوم» تعاونها مع «أرامكو» بمفهوم «الذكاء الاصطناعي على الحافة» (AI at the edge)، حيث تُحلل البيانات قرب مصدر تولدها بدلاً من الاعتماد المستمر على مركز بيانات بعيد. التطبيقات تمتد لوزارة الداخلية السعودية، والمدن الذكية، ورؤية الحاسوب، وشبكات الجيل الخامس الخاصة للبيئات الصناعية، حيث يصبح وجود الذكاء محلياً شرطاً للثقة وسرعة الاستجابة في عمليات صناعية منتشرة في مواقع نائية.

السيارة حاسوباً متنقلاً: «سير» نموذجاً

هذا المسار يتقاطع مع قطاع السيارات، الذي أصبح جزءاً محورياً في استراتيجية «كوالكوم». آمون يشير إلى «سير» (Ceer)، شركة السيارات الكهربائية السعودية التي تستخدم تقنيات «كوالكوم»، كجزء من رؤيته للمركبة كـ «حاسوب متصل على عجلات». الحوسبة داخل المركبة لم تعد محصورة في الترفيه أو الملاحة؛ بل تمتد إلى قمرة القيادة الرقمية، والتحكم بوظائف المركبة، والمركبات المعرفة بالبرمجيات، وأنظمة مساعدة السائق، والقيادة الذاتية. «كوالكوم» في طريقها لتصبح أكبر مورد لتقنيات أشباه الموصلات لصناعة السيارات، وتعمل مع صانعين عبر فئات متعددة. الوكلاء الذكائيون، في نظر آمون، مناسبين تماماً للمركبات: السائق يتفاعل بالصوت، والأنظمة تستخدم الكاميرات والمستشعرات والسياق الفوري لفهم ما يحدث داخل المركبة وحولها.

هاتف يعمل في غيابك: بداية دورة ترقية جديدة

على مستوى الجهاز الشخصي، يرسم آمون انتقالاً إلى «هاتف الذكاء الاصطناعي» بفكرة بسيطة: في الماضي، حين لم يستخدم الشخص هاتفه، كان الجهاز ينتظر. في عصر الوكلاء الذكائيين، يمكن للهاتف مواصلة العمل حتى حين لا ينظر المستخدم إلى الشاشة، لأن وكيلاً يستطيع تنفيذ مهمة، أو إجراء بحث، أو التفاعل مع التطبيقات بالنيابة عنه. هذا يتطلب تغييرات جذرية في تصميم المعالجات، وسعة الحوسبة، والذاكرة، واحتياجات الطاقة. معالجات «سنابدراجون 8 إيليت إكستريم جين 6» تدعم نماذج «خليط الخبراء» (Mixture of Experts) بأكثر من 30 مليار معامل مباشرة على الجهاز، مع 50% ذاكرة مشتركة إضافية. ولأول مرة، تطرح «كوالكوم» منصتين من الفئة الممتازة بدلاً من واحدة. لكن آمون لا يعتقد أن الحدود الحالية ستكفي طويلاً، متحدثاً عن حاجة مستقبلية لمعجلات ذكاء اصطناعي مخصصة وتقنيات حوسبة وذاكرة أشد تكاملاً.

ذكاء شخصي لا يرتبط بجهاز واحد: الثقة أولا

الطموح يتجاوز الهاتف: «ذكاء متصل في كل مكان» (Connected Intelligence Everywhere)، طبقة حوسبة تتحرك فيها الذكاء الشخصي عبر هاتف، نظارات ذكية، قمرة قيادة رقمية، وفئات ناشئة كالمعلقات الذكية، والمجوهرات، والأجهزة الصوتية. منصة «سنابدراجون ساوند إيليت جين 2» تنقل السماعات والأجهزة القابلة للارتداء من تشغيل الصوت إلى واجهات دائمة للذكاء الشخصي، بضعفي قدرات الذكاء الاصطناعي على الجهاز و40% أقل استهلاكاً للطاقة، مع اتصال مباشر بالخدمات السحابية عبر واي-فاي دون المرور الدائم بالهاتف.

لكن هذا المستقبل يطرح معضلة الثقة: الذكاء الذي يتبع المستخدم عبر أجهزة متعددة يحتاج لمعرفة الكثير عنه. آمون يضع النجاح عند تقاطع عاملين: الثقة، وتقليل الاحتكاك. المستخدم لن يمنح السياق لوكيل لا يثق في كيفية وصوله لبياناته، وتخزينها، واستخدامها. «كوالكوم» تعمل على بناء آليات تتيح للمستخدم تحديد ما يذهب للسحابة وما يبقى على الجهاز، مع نظام أذونات يحدد ما يستطيع الوكيل الوصول إليه. آمون لا يقدم هذا كمشكلة محلولة؛ بل يقر صراحة أن الصناعة لا تملك كل الإجابات بعد.

من الذاكرة الشخصية إلى السيادة: بيانات المواطن جزء من المعادلة

هذا يقود إلى مفهوم أوسع للذكاء الاصطناعي السيادي. آمون لا يرى السيادة محصورة في كيفية إدارة الحكومات لأنظمة الدفاع، والخدمات المالية، والوظائف العامة. في رؤيته، يمكن أن تمتد إلى بيانات المواطنين وقدرتهم على التحكم في الأجزاء التي يريدون إتاحتها للوكلاء الذكائيين. هذه الأسئلة تخلق فرصاً أكبر للنماذج السيادية التي تجمع بين قدرات مراكز البيانات المحلية والذكاء العامل على الأجهزة. وتعاون «كوالكوم» مع «هيومن» يقع في هذا السياق تحديداً.

عندما يتصرف الوكيل بالنيابة عنك: أمان على مستوى العتاد

التحدي الأمني يتفاقم حين لا يكتفي الوكيل بمعرفة المعلومة، بل يبدأ باستخدام بيانات اعتماد المستخدم والتفاعل مع خدمات خارجية بالنيابة عنه. آمون يرى أن هذا يستدعي مستويات جديدة من المصادقة المستمرة لضمان أن الوكيل يتصرف فعلياً لصالح الفرد المأذون، مع دور أكبر للمقاييس الحيوية، وتخزين بيانات الاعتماد والمعلومات الحساسة في مناطق آمنة. «خريطة الذاكرة الشخصية» للمستخدم نفسها تحتاج حماية، وجزء مهم من هذه الضمانات يجب أن يُدعم على مستوى العتاد لا كطبقة برمجية مضافة، وهو ما تربطه «كوالكوم» بآليات الأمان المدمجة في منصات «سنابدراجون».

الجهاز والسحابة: شراكة لا استبدال

رغم التركيز على الذكاء الاصطناعي على الجهاز، لا يتوقع آمون أن تحل الأجهزة محل السحابة. يضرب بتطبيقات الهاتف المحمول اليوم مثلاً: المستخدمون عموماً لا يعرفون، ولا يحتاجون لمعرفة، أي جزء يعمل على الجهاز وأي جزء في مركز بيانات. يتوقع أن يعمل الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، مع مهام تتنقل بسلاسة بين الجهاز والسحابة.

ما يعنيه هذا لمن يعمل في التقنية بالمنطقة

للمهندس السعودي، وللباحث في «كاوست»، وللمؤسس التقني في الخليج: دخول «كوالكوم» بهذه الكثافة، مركز هندسة، بحث وتطوير، شراكات مع «هيومن»، و«أرامكو»، و«سير»، ووزارة الداخلية، ليس خبراً عابراً. هو إشارة إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة تتشكل بمعايير عالمية، وأن الطلب على كفاءات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي على الحافة، والأنظمة الموثوقة، سيتصاعد بخطى متسارعة. من يضع قدمه مبكراً في هذا المسار، سواء بتخصص تقني، أو بفهم متطلبات الامتثال والسيادة، سيجد نفسه في موقع من يصنع السوق لا من يلاحقها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد